
و.ش.ع العراق ۔أ د صااح العطوان الحيالي
الاربعاء 20مايو 2026
طفل أسير أسر في احد المعارك وتم بيعه من جهة إلى أخرى هذا الطفل كتب اسمه في صفحات مشرقة كن التاريخ الإسلامي أنه الملك المظفّر سيف الدين قُطُز، واسمه الكامل: محمود بن ممدود بن خوارزم شاه، أحد أعظم سلاطين المماليك في مصر، ورمز من رموز الصمود في وجه الغزو المغولي. وُلد في بيت ملكي خوارزمي، وينحدر من أسرة عريقة، فهو ابن أخ السلطان جلال الدين خوارزم شاه، آخر سلاطين الدولة الخوارزمية الذين تصدّوا للمغول بشجاعة.
لكن القدر لم يُمهله طويلًا في حياة العز، فبعد سقوط الدولة الخوارزمية على يد المغول، أُسر الطفل محمود، وتعرّض للذل والبيع في أسواق النخاسة. وهناك أطلق عليه المغول اسم "قُطُز"، وهي كلمة في لغتهم تعني "الكلـ..ـب الشرس"، في إشارة إلى مقاومته العنيفة لهم منذ صغره.
انتقل قُطُز إلى الشام ثم إلى مصر، حيث بيع مملوكًا للسلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب. وفي مصر بدأت رحلته الحقيقية، إذ نشأ في بيئة عسكرية صارمة داخل مدارس المماليك، فتعلّم فنون القتال، والفروسية، والتخطيط الحربي، حتى صار من أمهر القادة.
شارك قُطُز في الدفاع عن مصر ضد الحملة الصليـ..ـبية السابعة بقيادة لويس التاسع، وكان له دور بارز في الانتصار في معركة المنصورة، التي انتهت بأسر ملك فرنسا نفسه، في واحدة من أعظم لحظات التاريخ الإسلامي.
ومع تصاعد خطر المغول، الذين دمّروا بغداد وأسقطوا الخلافة العباسية في سقوط بغداد، بدا أن العالم الإسلامي على شفا الانهيار الكامل. وهنا ظهر قُطُز كقائد حاسم.
في عام 657 هـ (1259م)، تولّى قُطُز حكم مصر في وقت بالغ الخطورة. لم يتجاوز حكمه عامًا واحدًا، لكنه كان عامًا غيّر مجرى التاريخ. أعاد تنظيم الجيش، ووحّد الصفوف، وأعدم بعض القادة المتخاذلين ليضرب مثالًا بالحزم، ثم اتخذ قراره المصيري: مواجهة المغول بدل انتظارهم.
جمع قُطُز جيشه، واستنفر الأمة، وألقى خطبته الشهيرة التي أشعلت الحماس في النفوس، قبل أن يتوجه إلى الشام لملاقاة المغول.
وفي يوم خالد من أيام الإسلام، وقعت معركة عين جالوت، حيث التقى جيش المسلمين بقيادة قُطُز وجيش المغول بقيادة كتبغا. وهناك، سُطّر النصر الذي لم يكن أحد يتوقعه.
قاد قُطُز المعركة بنفسه، ويُروى أنه عندما اشتد القتال، خلع خوذته وصاح صرخته الشهيرة:
"وا إسلاماه!"
فاشتعلت عزائم الجنود، وانقلبت موازين المعركة، لتنتهي بهزيمة ساحقة للمغول، كانت الأولى من نوعها، وأوقفت زحفهم الذي أرعب العالم.
لم يكتفِ قُطُز بالنصر، بل واصل مطاردة فلول المغول، ونجح في تحرير بلاد الشام من سيطرتهم، معيدًا الأمل إلى الأمة بعد سنوات من الانكسار.
لكن النهاية كانت مأساوية. فبعد عودته منتصرًا، تعرّض لمؤامرة من بعض أمراء المماليك، على رأسهم الظاهر بيبرس، حيث قُتـ..ـل في طريق العودة بين القرابي والصالحية يوم 16 ذو القعدة 658 هـ (22 أكتوبر 1260م)، أي بعد انتصاره بحوالي خمسين يومًا فقط.
دُفن أولًا في القصير، ثم نُقل جثمانه إلى القاهرة لاحقًا.
ورغم قِصر مدة حكمه، فإن قُطُز يُعدّ من أعظم القادة في التاريخ الإسلامي، لأنه الرجل الذي أوقف الطوفان المغولي، وأعاد للأمة ثقتها بنفسها في لحظة كانت أقرب إلى اليأس الكامل.
رحم الله السلطان المظفّر سيف الدين قُطُز، الذي لم يملك الوقت الطويل، لكنه صنع به تاريخًا لا يُنسى.
المصادر
قصة التتار من البداية حتى عين جالوت راغب السرجاني
سيف الدين قطز بطل عين جالوت وقاهر المغول منصور عبد الحكيم
سيف الدين قطز بطل عين جالوت وقاهر المغول قاسم عبده قاسم
السلطان قطزومعركة عين جالوت د.محمد علي الصلابي

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *