
و.ش.ع العراق ۔ أ د صالح العطوان الحيالي
وقف سلمان الفارسي رضي الله عنه على ضفة نهر دجلة مع جيش المسلمين بقيادة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، عندما كان الجيش يستعد لعبور النهر في طريقه إلى المدائن عاصمة الفرس.
وكان سلمان أعلم الناس بتلك البلاد، فأشار على سعد بموضع العبور، ثم نزل المسلمون إلى النهر على خيولهم. وكان من وصايا سعد لجنوده أن يعبروا «مثنى مثنى» ليعين بعضهم بعضًا أثناء اجتياز الماء.
ومن المشاهد اللافتة في ذلك اليوم أن سلمان الفارسي، الذي وُلد ونشأ بين الفرس، كان يعبر النهر إلى جانب جيش المسلمين، بينما كانت الدولة التي وُلد تحت سلطانها تقف في الجهة الأخرى من المعركة.
ولم يكن سلمان وحده، فقد انضم إلى المسلمين رجال كثيرون من أمم مختلفة، بعد أن دخلوا الإسلام، وأصبح انتماؤهم الأول للدين الذي آمنوا به، لا للقبيلة أو العِرق أو الأصل الذي وُلدوا عليه.
وفي موقف آخر من تاريخ الفتوحات الإسلامية، خرج القائد الرومي جَرَجة ليلتقي بخالد بن الوليد رضي الله عنه قبل إحدى المعارك الكبرى بين المسلمين والروم.
اقترب الرجلان من بعضهما في المسافة الفاصلة بين الجيشين، ودارت بينهما محاورة مشهورة ذكرها المؤرخون. سأل جرجة خالدًا عن الإسلام وعن دعوة المسلمين وأخلاقهم، فشرح له خالد ما جاء به الإسلام.
وبعد هذا الحوار أعلن جرجة إسلامه، ثم عاد مع خالد إلى معسكر المسلمين، وقاتـ..ـل إلى جانبهم حتى قُـ..ـتل في المعركة.
هذه المواقف التاريخية تكشف كيف كان المسلمون الأوائل ينظرون إلى الانتماء والولاء. فقد كان الرابط الذي يجمعهم هو العقيدة والإيمان، لا الأصل ولا اللغة ولا الأرض التي وُلدوا فيها.
ولهذا وجدنا في صفوف المسلمين العربي والفارسي والرومي والحبشي وغيرهم، يجمعهم دين واحد وغاية واحدة، حتى أصبحت الأمة الإسلامية في نظرهم رابطة تتجاوز الفوارق القومية والعرقية.
وقد عبّر القرآن الكريم عن هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾.
كما تربى الصحابة على أن التفاضل بين الناس لا يكون بالنسب أو اللون أو القوم، وإنما بالإيمان والعمل الصالح والتقوى.
ولهذا لم يكن سلمان الفارسي يُنظر إليه على أنه فارسي بين العرب، بل كان من كبار الصحابة حتى قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «سلمان منا أهل البيت».
وهكذا بقيت هذه النماذج من صفحات التاريخ الإسلامي شاهدة على قوة الرابطة التي جمعت بين شعوب وأعراق متعددة تحت مظلة الإيمان، حتى أصبح الرجل يترك قومه وأرضه إذا ظهر له الحق، ويختار الطريق الذي يعتقد أنه الأقرب إلى رضوان الله تعالى.
إنها مواقف تاريخية تبرز كيف غيّر الإسلام مفهوم الانتماء عند كثير من الناس، وجعل العقيدة والإيمان أساسًا للرابطة التي تجمع بين أتباعه، مهما اختلفت أصولهم وأجناسهم وألسنتهم.

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *