
و.ش.ع العراق ۔ أ د صالح العطوان الحيالي
السبت 19سبتمبر2026
ابو عبد الرحمن الضحاك بن قيس بن خالد بن وهب الفهري القرشي 4هجرية_ 64هحرية صحابي من صغار الصحابة له احاديث كان أميرا جواد شجاعا شهد فتح دمشق وسكنها .
في الخامس عشر من ذي الحجة سنة 64هـ، انتهت حياة أحد رجال الدولة الإسلامية الذين عاشوا بين عصر النبوة وعصر الفتن الكبرى. إنه الضحاك بن قيس الفهري القرشي رضي الله عنه، أحد صغار الصحابة، والذي شهد تحولات سياسية عصيبة انتهت باستشهاده في معركة مرج راهط.
أسلم الضحاك صغيرًا، فعدّه العلماء من صغار الصحابة، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم عددًا من الأحاديث، كما روى عن حبيب بن مسلمة. وروى عنه كبار التابعين، منهم سعيد بن جبير والشعبي وأبو إسحاق السبيعي، بل إن معاوية بن أبي سفيان نفسه روى عنه ووصفه بأنه "عدل على نفسه"، وهي شهادة عظيمة في حقه.
برز الضحاك في ميادين السياسة والإدارة، فكان من رجال معاوية المقربين، وولاه إمارة الكوفة، ثم ولاه دمشق، حتى أصبح من أبرز قادة الدولة الأموية. وعندما توفي معاوية سنة 60هـ، كان الضحاك هو الذي صلى عليه، ثم استمر واليًا على دمشق في عهد يزيد بن معاوية.
لكن وفاة يزيد سنة 64هـ فتحت بابًا واسعًا للصراع على الخلافة، وانقسم المسلمون بين مؤيد لعبد الله بن الزبير، وآخرين يرون استمرار الحكم في البيت الأموي.
في تلك اللحظة الحرجة، اتخذ الضحاك موقفًا لافتًا؛ إذ لم يؤيد انتقال الحكم بالوراثة، ورأى أن يختار المسلمون خليفتهم بالشورى. وكتب إلى قيس بن الهيثم يقول:
"إن يزيد قد مات، وأنتم إخواننا، فلا تسبقونا بشيء حتى نختار لأنفسنا."
ثم أعلن البيعة لعبد الله بن الزبير رضي الله عنه، فمالت إليه أكثر أجناد الشام، بينما انسحب بنو أمية إلى منطقة الجابية ينتظرون ما ستؤول إليه الأحداث.
وفي المقابل، كان عبيد الله بن زياد يدرك أن بيعة ابن الزبير إن استقرت في الشام فلن يبقى للأمويين سلطان، فسارع إلى لقاء مروان بن الحكم، الذي كان قد همَّ بمبايعة ابن الزبير، وأقنعه بالعدول عن ذلك، قائلًا إن الخلافة أولى به من غيره، ثم وعده بإفساد أمر الضحاك وتشتيت أنصاره.
وبالفعل، أخذ عبيد الله يتردد على الضحاك كل يوم، يظهر له المودة والنصيحة، حتى أقنعه بأن يدعو الناس إلى نفسه بدلًا من ابن الزبير، بحجة أنه أحق بالخلافة. استجاب الضحاك لهذا الرأي ثلاثة أيام، لكن الناس أنكروه عليه، وقالوا: "أخذت علينا البيعة لرجل، ثم تدعونا إلى خلعه من غير حدث!" فلم يجد بدًا من العودة إلى الدعوة لابن الزبير، إلا أن هذا التردد أضعف مكانته، وأحدث شرخًا في صف أنصاره.
بعدها خرج الضحاك بجيش كبير قُدِّر بنحو ثلاثين ألف مقاتل، وانضم إليه زفر بن الحارث الكلابي وشرحبيل بن ذي الكلاع وغيرهما من قادة قيس. أما مروان بن الحكم، فخرج في جيش أقل عددًا، لكن عبيد الله بن زياد تولى تدبير خطته العسكرية.
التقى الجيشان في مرج راهط قرب دمشق، واستمرت المناوشات عدة أيام، ثم لجأ مروان إلى الحيلة، فأرسل يطلب هدنة مؤقتة، حتى إذا اطمأن جيش الضحاك باغتهم بهجوم مفاجئ.
احتدمت المعركة، وثبت الضحاك في القتال حتى قُتل وهو يقود جيشه، فسقط شهيدًا في منتصف ذي الحجة سنة 64هـ، وكانت مقتلة عظيمة لقيس، حتى قال الواقدي: "لم تُصب قيس بمثلها قط."
ولما حمل رأس الضحاك إلى مروان بن الحكم، لم يُظهر الفرح بانتصاره، بل تأثر وقال: "الآن، حين كبرت سني واقترب أجلي، أقبلت بالكتائب يضرب بعضها بعضًا!" في إشارة إلى مرارة الاقتتال بين المسلمين.
انتهت معركة مرج راهط بانتصار مروان بن الحكم، واستعاد الأمويون السيطرة على الشام، ثم تولى مروان الخلافة، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ الدولة الأموية.
ورغم اختلاف المؤرخين في بعض تفاصيل مواقف الضحاك السياسية، فإنهم أجمعوا على مكانته؛ فهو صحابي، ومن كبار رجال الدولة في عصره، عُرف بالشجاعة والإدارة، وانتهت حياته في واحدة من أعظم معارك الفتنة الثانية، بعدما اختار القتال دفاعًا عما رآه حقًا في أمر الخلافة.
المصادر
تاريخ الاسلام ووفيات المشاهير شمس الدين الذهبي
الإصابة في تمييز الصحابة ابن حجر
الاستيعاب في معرفة الاصحاب ابن عبد البر
كتاب المحبر محمد بن حبيب البغدادي
تاريخ خليفة بن خياط
مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *