7 watching nowالرئيسية / دين ودنيا / عتبة بن غزوان واسقاطه الابلة حصن الفرس المنيع

عتبة بن غزوان واسقاطه الابلة حصن الفرس المنيع

02-06-2026 12:31 م  وكالة انباء الشرق العربي 491 views
عتبة بن غزوان واسقاطه الابلة حصن الفرس المنيع

و.ش.ع      العراق ۔ دكتور صالح العطوان الحيالي    
الثلاثاء  02  يونيو 2026        
عتبة بن غزوان بن جابر بن وهيب بن نسيب بن زيد بن مالك بن الحارث بن عوف ينتهي نسبه معد  بن عدنان صحابي بدري ،كان حليفا ابني نوفل في الجاهلية ،اسلم وهاجر إلى يقرب وشارك مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزواته كلها،وهو الذي اختط البصرة  
في عهد الفاروق عمر بن الخطاب ترامى إلى مسامعه أن جيوش الفرس المنهزمة أمام جند المسلمين كانت كلما أوشك المسلمون على أن يقضوا عليها، إذا بها يأتيها المدد من كل مكان، فلا تلبث أن تستعيد قوتها وتستأنف القتال. وكانت مدينة الأبلة وقتها من أهم المدن التي ترسل الأموال والرجال والسلاح إلى جيوش فارس. 
فعزم عمر بن الخطاب على أن يرسل جيشًا لفتح الأبلة وقطع إمداداتها عن الفرس، لكنه اصطدم بقلة الرجال عنده، ذلك لأن شباب المسلمين وكهولهم قد خرجوا غزاة في سبيل الله يفتحون البلاد ليخرجوا الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. فعمد إلى طريقته التي عُرف بها، وهي التعويض عن قلة الجند بقوة القائد، فأخذ يبحث عن قائد فذ يقود هذا الجيش، فإذا به يجد صورته أمام عينيه… نعم، إنه سابع سبعة أسلموا في هذا الكون، إنه المجاهد البطل، إنه الرامي الذي لا تخطئ له رمية، إنه البطل الذي عرفته بدر، وأحد، والخندق، وشهدت له اليمامة بقوة بأسه… إنه عتبة بن غزوان رضي الله عنه. 
فبعث إليه في الصباح وأخبره بتلك المهمة الصعبة التي تحتاج إلى رجال يعرفون ربهم ويعبدونه حق عبادته، ليعوضهم الله بالنصرة من عنده، وإن كانوا لا يملكون إلا النزر القليل من الرجال والعتاد. وعقد له الراية على خمسمائة مجاهد. ولما عزم الجيش الصغير على الرحيل، وقف الفاروق يودع قائده عتبة ويوصيه فقال له: 
يا عتبة، إني قد وجهتك إلى أرض الأبلة، وهي حصن من حصون الأعداء، فأرجو الله أن يعينك عليها، فإذا نزلت بها فادع قومها إلى الله، فمن أجابك فاقبل منه، ومن أبى فخذ منه الجزية، ومن أبى فالقتال. 
كانت الأبلة التي اتجه إليها عتبة بن غزوان بجيشه الصغير مدينة حصينة قائمة على شاطئ دجلة، وكان الفرس قد اتخذوها مخازن لأسلحتهم، وجعلوا من أبراج حصونها مراصد لمراقبة أعدائهم. لكن ذلك لم يمنع عتبة من غزوها، على الرغم من قلة رجاله وضآلة سلاحه، إذ لم يجتمع له من الرجال غير خمسمائة مقاتل، تصحبهم طائفة من النساء، ولم يكن عنده من السلاح غير السيوف والرماح… فكان لا بد له من الحيلة. 
أعد عتبة للنسوة رايات رفعها على أعواد الرماح، وأمرهن أن يمشين بها خلف الجيش، وقال لهن: إذا نحن اقتربنا من المدينة فأثرن التراب وراءنا حتى تملأن به الجو. 
فلما دنوا من الأبلة خرج إليهم جند الفرس، فرأوا إقدامهم عليهم، ونظروا إلى الرايات التي تخفق وراءهم، ووجدوا الغبار يملأ الجو خلفهم، فقال بعضهم لبعض: 
إنها مقدمة العسكر… وإن وراءهم جيشًا جرارًا! ،ودبّ في قلوبهم الذعر، وسيطر عليهم الجزع، وأخذوا يتسابقون إلى ركوب السفن الراسية في دجلة ويولّون الأدبار… فدخل عتبة بن غزوان المدينة دون أن يفقد أحدًا من رجاله! 
لما رأى عتبة أن إقامة جنوده في المدن المفتوحة سوف تعودهم على لين العيش، وتخلقهم بأخلاق أهل تلك البلاد، وتضعف من عزائمهم؛ كتب إلى عمر بن الخطاب يستأذنه في بناء مدينة البصرة، ووصف له المكان. وكان أول ما بناه مسجدها العظيم. 
وقد تسابق الجند على اقتطاع الأرض وبناء البيوت في المدينة الجديدة، لكن عتبة لم يبنِ لنفسه بيتًا، وإنما ظل يسكن خيمة… لأنه كان يخفي في نفسه أمرًا؛ فقد رأى الدنيا قد أقبلت على المسلمين في البصرة إقبالًا يذهل المرء عن نفسه، وأن رجاله الذين كانوا منذ قليل لا يعرفون طعامًا أطيب من الأرز المسلوق بقشره، قد تذوقوا مآكل الفرس. 
فخشي على نفسه، فجمع الناس في مسجد البصرة وخطبهم قائلاً: 
أيها الناس؛ إن الدنيا قد آذنت بالانقضاء، وأنتم منتقلون عنها إلى دار لا زوال فيها، فانتقلوا إليها بخير أعمالكم. ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله ﷺ، وما لنا طعام غير ورق الشجر حتى قرحت منه أشداقنا، ولقد رزقت يومًا بردة فشققتها نصفين، أعطيت نصفها سعد بن أبي وقاص، ولبست نصفها الآخر. 
كان عتبة بن غزوان يخاف الدنيا على دينه أشد الخوف، وكان يخافها على المسلمين، فراح يحملهم على القناعة والشظف. وحاول الكثير أن يحولوه عن نهجه، ويثيروا في نفسه الشعور بالإمارة وما لها من بريق، خاصة في تلك البلاد التي لم تتعود من قبل أمراء بهذا الزهد. فكان يجيبهم قائلاً: 
إني أعوذ بالله أن أكون في دنياكم عظيمًا، وعند الله صغيرًا. 
ولما رأى الضيق على وجوه الناس بسبب صرامته، قال لهم: 
غدًا ترون الأمراء من بعدي. 
لما جاء موسم الحج، استخلف عتبة على البصرة أحد رجاله وخرج حاجًا. وبعد أن قضى حجه، سافر إلى المدينة، وهناك سأل أمير المؤمنين أن يعفيه من الإمارة. لكن عمر بن الخطاب لم يكن يفرط في هذا الطراز الجليل من الرجال، وكان يقول لهم: 
تضعون أماناتكم فوق عنقي، ثم تتركونني وحدي؟! لا والله، لا أعفيكم أبدًا! 
وهكذا قال لعتبة… فلم يكن في وسعه إلا الطاعة. استقبل راحلته ليركبها راجعًا إلى البصرة، لكنه قبل أن يعلو ظهرها، استقبل القبلة، ورفع كفيه الضارعتين إلى السماء، ودعا ربه عز وجل ألا يرده إلى البصرة، ولا إلى الإمارة أبدًا،فبينما هو في الطريق إلى ولايته، أدركه الموت، وفاضت روحه إلى بارئها… فغبطته السماء بما بذل وأعطى. 
المصادر  
خير الدين الزركلي الاعلام  
الخطيب البغدادي تاريخ بغداد 
الاصبهاني معرفة الصحابة  
الطبقات لابن سعد  
اسد الغابة 
الإصابة في معرفة الصحابة


Share:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *