
و.ش.ع عمان .د.عطاف الخوالدة
الثلاثاء 26 مايو 2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
الموضوع قصيدة وتحليل أدبي
الكاتبة الشاعرة الدكتورة عطاف الخوالدة
الناقد الأديب الناقد الدكتور طارق العابودي
عنوان القصيدة
شعاري ..
حرفي سيف وقلمي رمح كحد الحسام ما نبا
اجوب الدنا بقلمي مثل جواد ما كبا
محوت الفواصل بين حدود العرب ووجعهم نحمله سوى
د عطاف الخوالدة أستاذ اللغة العربية ودراسات في علوم القرآن الكريم والحديث الشريف والتفسير الأردن
المقدمة :
في زمنٍ تتقاطعُ فيه المِحَنُ مع نبضِ الإنسانية، وتُختبرُ فيه القلوبُ قبلَ المواقف، تبقى الكلمةُ الصادقةُ هي الشاهدَ الأصدقَ على الألم، والرايةَ التي لا تنكسرُ أمامَ العواصف.
وهنا، في حضرةِ غزة، لا يعودُ الشعرُ ترفًا لغويًّا، بل يصبحُ شهادةَ وجدانٍ حيّ، وصرخةَ ضميرٍ لا تُطفئها المسافات.
غزةُ التي تُعيدُ تعريفَ الصبرِ كلَّ يوم، وتكتبُ على جراحِها معنى البقاء، ليست مجردَ مكانٍ على الخريطة، بل ذاكرةٌ نابضةٌ بالثبات، وأمٌّ تُرضعُ أبناءَها من وجعٍ وصمود، فتُخرجُ من بين الرمادِ حياةً لا تنحني.
وفي هذا النصّ الشعريّ، تتجسّدُ صورُ العيدِ حين يمرُّ على الخيام، فيتحوّلُ الفرحُ إلى سؤالٍ، والزينةُ إلى غياب، والطفولةُ إلى انتظارٍ ثقيل. لكنه رغم كل ذلك، يظلُّ في الروحِ خيطٌ من نور، لا ينقطع، لأن الإيمانَ حين يسكنُ القلوبَ يجعلُ الألمَ طريقًا إلى الرجاء، لا نهايةً له.
إنها قصيدةُ الإنسانِ حين يُختبر، والوطنِ حين يُجرَّد من زينته، فيبقى أجملَ بما يحمله من كرامةٍ لا تُشترى، ودمعةٍ لا تُهزم، وصبرٍ يعلو على كل انكسار
____________________
عيدُ غزةَ رغمَ الصِّعاب
يا أديمَ الأرضِ صبرًا إنَّنا
ما انحنينا غيرَ للهِ وحدَنَا
يا أديمَ الأرضِ هذي غزَّةٌ
رغمَ جرحِ النارِ ما خضعتْ لنَا
☆☆☆☆
في الخيامِ العيدُ يبكي صامتًا
والأسى يمشي بأطرافِ المُنَى
والأطفالُ الذينَ تكسَّرَتْ
أحلامُهم ما خانهم ضوءُ السَّنا
☆☆☆☆
يمضونَ نحوَ العيدِ دونَ زينةٍ
وكأنَّ العيدَ صارَ منَ العَنا
والأمومةُ في الدعاءِ تجمَّعتْ
تنسجُ الصبرَ وتُخفي المُحَنَا
☆☆☆☆
يا أديمَ الأرضِ احضنْ رُفَّتًا
للشهداءِ الطاهرينَ إذا فَنَا
واكتبِ التاريخَ أنَّ رجالَها
قد تحدَّوا الموتَ وسطَ المِحَنَا
☆☆☆☆
يا أديمَ الأرضِ سجِّلْ هاهنا
مرَّ قومٌ كالنجومِ إذا دَنَا
ما اشتروا بالمجدِ يومًا ذلَّةً
بل سقوا الأوطانَ عزًّا وثَنَا
☆☆☆☆
يا أديمَ الأرضِ لا تعتبْ إذا
غابَ أهلُ النخوةِ الكبرى هُنَا
فالمروءةُ حينَ غابتْ في الورى
صارَ بعضُ الناسِ عارًا مُعلَنَا
☆☆☆☆
يا أديمَ الأرضِ جُدْ بالدمعِ في
زمنٍ قد صارَ فيهِ الغدرُ فَنَا
كيفَ لا يبكي الضميرُ لجرحِهم
والأسى فوقَ القلوبِ تمكَّنَا؟
☆☆☆☆
يا عيدُ كيفَ تمرُّ فوقَ جراحِهم
وكأنَّ الحزنَ أضحى موطنَا؟
إن يكنْ في الكونِ بابٌ للرَّجا
فاجعلِ الرحمنُ لغزَّةَ مأمنَا
☆☆☆☆
وابعثِ الأنوارَ تملأُ ليلَها
واكتبِ الأفراحَ فيها والزمنَا
كبِّري يا مآذنُ اليومَ وارتفعي
وادققي يا أجراسُ فجرًا مُعلَنَا
☆☆☆☆
سيجيءُ النصرُ يومًا ساطعًا
ويرى الأحرارُ وعدًا مُتقَنَا
ستبقى غزةُ الجرحِ.... شامخةً
فالحقُّ يعلو وإن طالَ الأسى زَمَنَا
بقلم الشاعرة د.عطاف الخوالدة
_______________________
النقد الأدبي للأديب/الناقد الدكتور طارق العابودي
وتتجاوز اللغة حدودها حين تتحول الكلمات إلى حالات شعورية محسوسة، فالعيد يبكي، والأسى يمشي، والأرض تحفظ البطولة، وهنا لا تعود اللغة مجرد وسيلة وصف، بل تصبح تجربة روحية تنقل القارئ إلى أفق جديد يرى فيه الألم بوصفه طاقة للوعي والكرامة لا مجرد معاناة
والانسجام الروحي بين عناصر النص يتجلى في وحدة النبرة الشعورية؛ فكل صورة، وكل نداء، وكل انتقال بين الحزن والأمل، يصب في مركز واحد هو تمجيد الإنسان المقاوم، ولهذا يبدو النص متماسكًا كأن أبياته تنبع من نبض واحد
كما يساهم النص في خلق وعي إنساني أسمى لأنه يعيد تعريف البطولة بعيدًا عن العنف المجرد، فالبطولة هنا صبر أم، ودمعة طفل، وثبات شعب، وإيمان لا ينطفئ، وبذلك يوقظ النص في المتلقي حسّ التعاطف والمسؤولية الأخلاقية تجاه الإنسان المقهور، فيتحول الشعر من فن جمالي إلى فعل وعي ورحمة ومقاومة روحية شاملة
تنهض هذه القصيدة من قلب المأساة لا لتبكيها فقط، بل لتحوّلها إلى نشيدٍ من الصمود الروحي، فتأتي بعنوانها الدلالي «عيدُ غزة رغم الصعاب» بوصفه مفارقة شعورية عميقة؛ إذ يجتمع العيد بما يحمله من فرح، مع الحرب بما تحمله من فجيعة، فيتولد منذ العنوان توتر جمالي وإنساني يهيئ المتلقي للدخول إلى عالم شعري مشحون بالألم والإباء معًا
اللغة هنا لغة مشبعة بالعاطفة، لكنها لا تسقط في المباشرة الخطابية وحدها، بل تتكئ على كثافة وجدانية تجعل المفردة مشتعلة بالدلالة، فالشاعرة لا تقول «غزة تتألم» بل تجعل «العيد يبكي صامتًا»، وهذا التحويل من المعنى المجرد إلى الصورة الحية يمنح النص طاقة تخييلية مؤثرة ويجعل الحزن كائنًا يتحرك داخل القصيدة
في المطلع:
«يا أديمَ الأرضِ صبرًا إنَّنا
ما انحنينا غيرَ للهِ وحدَنَا»
تستثمر الشاعرة نداء «أديم الأرض» لتجعل الأرض ذاتها شاهدةً على البطولة، وكأن غزة ليست مدينة فحسب، بل طبقة الوجود الأولى، الأصل الذي يحتفظ بأثر الدم والكرامة، أما عبارة «ما انحنينا غير لله» فترفع النص من البعد الوطني إلى البعد العقائدي، فتغدو المقاومة هنا فعلًا روحيًا لا سياسيًا فقط
ثم يأتي البيت:
«يا أديمَ الأرضِ هذي غزَّةٌ
رغمَ جرحِ النارِ ما خضعتْ لنَا»
فتتجسد غزة ككائن أسطوري ينزف لكنه لا ينكسر، و«جرح النار» صورة بالغة الكثافة؛ لأن النار هنا ليست عنصر حرق فقط، بل قدرًا تاريخيًا دائم الاشتعال، ومع ذلك تظل غزة شامخة، مما يخلق تضادًا جماليًا بين الاحتراق والثبات
وفي مقطع:
«في الخيامِ العيدُ يبكي صامتًا
والأسى يمشي بأطرافِ المُنَى»
تبلغ القصيدة ذروة إنسانيتها، فالخيام ليست مجرد مكان، بل رمز للقلع المؤقتة في مواجهة الخراب، والعيد الذي «يبكي صامتًا» صورة تجمع بين الضجيج الكامن والصمت الظاهر، وكأن الفرح ذاته صار عاجزًا عن التعبير، أما «الأسى يمشي بأطراف المنى» فصورة تجعل الحزن متسللًا حتى إلى مناطق الأمل، فيتحول الرجاء نفسه إلى كائن مجروح
وتتجلى براعة الشاعرة أكثر في تصوير الأطفال:
«والأطفالُ الذينَ تكسَّرَتْ
أحلامُهم ما خانهم ضوءُ السَّنا»
فهنا تنشأ معادلة شعرية دقيقة بين الانكسار الداخلي والنور الباقي، إذ إن «ضوء السنا» رمز للإيمان بالمستقبل، وكأن الأطفال رغم الحطام لا يزالون يحتفظون ببذرة الضوء في أرواحهم، وهذه من أجمل الانزياحات الرمزية في النص
ثم تنتقل القصيدة من توصيف الألم إلى صناعة البطولة:
«واكتبِ التاريخَ أنَّ رجالَها
قد تحدَّوا الموتَ وسطَ المِحَنَا»
فالتاريخ هنا ليس سجلًا جامدًا، بل كاتبٌ حيّ، والشاعرة تطلب منه أن يوثق لا الحدث فقط، بل المعنى الأخلاقي للمقاومة، وكأن البطولة الفلسطينية ليست فعلًا آنياً بل قيمة إنسانية ممتدة عبر الزمن
وفي قولها:
«ما اشتروا بالمجدِ يومًا ذلَّةً
بل سقوا الأوطانَ عزًّا وثَنَا»
يتحول المجد إلى قيمة أخلاقية غير قابلة للمساومة، بينما يصبح «سقْي الأوطان عزًا» استعارة تجعل الدم والتضحية ماءً يروي الكرامة، وهي صورة تحمل بعدًا فدائيًا وروحيًا معًا
أما المقطع الذي تقول فيه:
«يا عيدُ كيفَ تمرُّ فوقَ جراحِهم
وكأنَّ الحزنَ أضحى موطنَا؟»
فهو من أكثر المقاطع تأثيرًا، لأنه يحوّل العيد من مناسبة زمنية إلى كائن أخلاقي يُحاسَب، وكأن الزمن نفسه متورط في المأساة، وهذه تقنية شعرية تمنح القصيدة بعدًا فلسفيًا يتجاوز الرثاء التقليدي
ثم تأتي النهاية متصاعدة نحو الرجاء:
«سيجيءُ النصرُ يومًا ساطعًا
ويرى الأحرارُ وعدًا مُتقَنَا»
فتعيد القصيدة بناء الأمل بعد تراكم الحزن، وكأن النص كله رحلة من العتمة إلى الضوء، من الجرح إلى الوعد، ومن البكاء إلى النهوض
إيقاعيًا، اعتمدت القصيدة على نبرة خطابية ذات نفس إنشادي قريب من الشعر العمودي التقليدي، مع قافية موحدة منحت النص تماسُكًا سمعيًا وإيقاعًا تعبويًا، كما أن تكرار النداء «يا أديم الأرض» خلق لازمة موسيقية تُعيد مركز الثقل الشعوري إلى غزة بوصفها الرمز الأم والجرح الكوني
البناء الفني يقوم على تصاعد درامي واضح: افتتاح بالصمود، ثم انتقال إلى مشاهد الألم، ثم تمجيد الشهداء، ثم لوم العالم، وأخيرًا استشراف النصر، وهذا التسلسل منح النص وحدة عضوية متماسكة وجعل القصيدة تتنفس ككائن حي لا كمجموعة أبيات متفرقة
أما من حيث الصور الشعرية، فقد تنوعت بين الصورة الحسية مثل «الأسى يمشي» و«العيد يبكي»، والصورة الرمزية مثل «ضوء السنا» و«أديم الأرض»، والصورة الروحية مثل «ما انحنينا غير لله»، وهذا التعدد منح النص ثراءً دلاليًا وحرّك مستويات متعددة من التلقي
النص يعبر عن رحلة الإنسان الكوني لأنه لا يتحدث عن غزة بوصفها جغرافيا محلية فقط، بل بوصفها مرآة لمعاناة الإنسان حين يُحاصر في حقه بالحياة والكرامة، فكل قارئ يجد في هذه القصيدة شيئًا من خوفه، وألمه، وصموده، وأمله، ولهذا تتجاوز التجربة حدود المكان لتصبح سؤالًا إنسانيًا عامًا عن معنى البقاء وسط الخراب
أما «ذبذبة» النص التي تتردد في الوجدان فهي ذبذبة الصمود الحزين؛ ذلك الإيقاع الداخلي الذي يمزج الدموع بالكبرياء، ويجعل القلب معلقًا بين الانكسار والرجاء، فتشعر وأنت تقرأ أن القصيدة لا تنوح فقط، بل تقاوم وهي تبكي
_______________________
الخاتمة:
ويبقى في الأفقِ وعدٌ لا يغيب، وإن طالَ ليلُ الألمِ واشتدَّت العتمة.
فما دام في الأرضِ قلبٌ يدعو، وطفلٌ يحلم، وأمٌّ تصبر، فلن يكونَ للخذلانِ آخرُ السطر.
غزةُ لا تُهزمُ وإن أُنهكت، ولا تنكسرُ وإن جُرحت، لأنها حين تُختبرُ تُخرجُ من الألمِ معنى الحياة، ومن الرمادِ جذوةَ البقاء.
وسيأتي يومٌ تُستبدلُ فيه الدموعُ بفرحٍ مستحق، وتُفتحُ فيه أبوابُ العيدِ على ضوءٍ لا يخافُ من الغياب، ويُكتبُ على جبينِ الزمنِ أن الصبرَ إذا صدقَ… يصنعُ النصر.
دامت غزةُ عنوانًا للعزّ، وبقي الحقُّ وإن تأخر… لا يموت.
وفي الختام أسأل الله العظيم العفو والعافية واقبلوا الإحترام والتقدير

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *