12 watching nowالرئيسية / شعر وادب / سلسلة درب الكرام (30) (الصمت.إذا ضاعت الحقوق فما نفع )

سلسلة درب الكرام (30) (الصمت.إذا ضاعت الحقوق فما نفع )

26-07-2026 12:39 ص  وكالة انباء الشرق العربي 118 views
سلسلة درب الكرام (30) (الصمت.إذا ضاعت الحقوق فما نفع )

و.ش.ع           الاردن  الشاعرة د. عطاف الخوالدة 

[___سلسلة درب الكرام (30)____]
١-(الصمت.إذا ضاعت الحقوق فما نفع )
بقلم الشاعرة.د.عطاف الخوالدة 
٢-قراءة تحليلية بقلم الناقد طارق العابودي 
طارق العابودي آفاق الحب 
القصيدة..
يقولونَ: إنَّ الصمتَ أبلغُ حِكمةً
   فقلتُ: إذا ضاعَت الحقوقُ، فما نَفَعْ

إذا صمتَ الأحرارُ يومًا عن الأذى
تمادى طغاةُ الأرضِ في الظلمِ واتَّسَعْ

فكم كلمةٍ أحيتْ قلوبًا كريمةً
   وكم صرخةٍ في وجهِ باغٍ قد انقَمَعْ

وليس السكوتُ عن المظالمِ رفعةً
              ولكنَّه بابُ المهانةِ إن خَضَعْ

إذا خافَ قومٌ أن يقولوا حقيقةً
        فقد ألبسوا وجهَ الكرامةِ ما قَنَعْ

ويحسبُ بعضُ الناسِ أنَّ سكونَهم
          نجاةٌ، ولكنَّ المصيرَ هو الوجَعْ

فإنَّ الحقوقَ لا تُصانُ بذلَّةٍ
       ولا تُستعادُ إذا الضميرُ قد هَجَعْ

تكلَّمْ بحقٍّ، لا تخفْ بطشَ ظالمٍ
          فربُّ السما للحقِّ خيرُ منِ اتُّبِعْ

وكنْ شامخًا، فالحقُّ يعلو بأهلِهِ
   ومن يزرعِ الإحسانَ يحصدْ ما زرعْ

ولا تجعلِ الصمتَ للمذلَّةَ منهجًا
       ففيه لضوءِ العزمِ أعظمُ مُنقطَعْ

فكم... أمَّةٍ هانتْ لأنَّ رجالَها.. رأى __👀👀الذل َّ دربًا، واستراح وما دفعْ

وكم أمَّةٍ قامتْ بصوتِ عزيمةٍ
         فأزهرتِ الآمالُ، وانجابَ الفَزَعْ

إذا اجتمعَ الأحرارُ صدقًا ووحدةً
          تهاوى بنيانُ الطغاةِ وما ارتفعْ

وإنَّ الليالي، إن تطاولَ ليلُها
     فصبحُ الهدى آتٍ، ووعدُ اللهِ وَقَعْ

فلا تيأسنَّ، إن رأيتَ شدائدًا
      فربُّ الورى بالنصرِ قد وعدَ ومَنَعْ

وسِرْ في طريقِ الحقِّ ثابتَ خُطوةٍ
     فخيرُ الورى من باليقينِ قدِ اقتنعْ

فإنَّ الكرامةَ لا تُنالُ بخنوعِنا
              ولكنْ بعزمٍ لا يلينُ ولا يَضَعْ

وللصبرِ بعدَ الكربِ أجملُ ثمرةٍ
       إذا القلبُ بالإيمانِ باللهِ قد خشعْ

سيبقى لواءُ الحقِّ عاليًا شامخًا
ويخبو لهيبُ باطلِ المُستشرِي.وينقمعْ

فهذا طريقُ الكرماءِ فخذْ به
      تفزْ في الدُّنا، ولدى الإلهِ بما صنعْ

بقلم الشاعرة.د.عطاف الخوالدة

_______________
كتب الناقد د طارق العابودي

دراسة نقدية لقصيدة "الصمت.. إذا ضاعت الحقوق فما نفع" للشاعرة د. عطاف الخوالدة
تنهض هذه القصيدة على رؤية أخلاقية وإنسانية تجعل من الشعر خطابًا للمسؤولية، فلا يكتفي بالتعبير عن الوجدان، بل يتحول إلى فعل مقاومة، وإلى صوت يستنهض الضمير الجمعي. وهي قصيدة تستلهم روح الشعر العربي العمودي في جزالته وإيقاعه، وتمنحه بعدًا معاصرًا يتصل بقضايا الحرية والعدالة والكرامة، فتغدو الكلمة فيها موقفًا، والبيت الشعري شهادةً على زمنٍ يمتحن الإنسان في إنسانيته.
تبدأ الشاعرة بقولها: "يقولونَ: إنَّ الصمتَ أبلغُ حكمةً فقلتُ: إذا ضاعَت الحقوقُ، فما نفعْ"، فتفتتح النص بحوار جدلي بين مقولة موروثة ورؤية نقدية معاصرة. هذا الاستهلال لا يرفض الحكمة في ذاتها، بل يعيد تعريفها، فالحكمة لا تكون في الصمت حين يتحول الصمت إلى شريكٍ في الظلم. وهكذا يضع المطلع القارئ منذ اللحظة الأولى أمام سؤال أخلاقي لا أمام قضية لغوية فحسب.
وفي قولها: "إذا صمتَ الأحرارُ يومًا عن الأذى تمادى طغاةُ الأرضِ في الظلمِ واتَّسَعْ"، تبني علاقة سببية دقيقة بين سكوت المصلحين واستفحال الاستبداد، فيتحول الصمت إلى مساحة ينمو فيها الطغيان، ويصبح السكوت فعلًا سلبيًا لا حيادًا بريئًا. الصورة هنا تقوم على اتساع الظلم كما لو كان نهرًا يفيض كلما غاب السد.
ثم تقول: "فكم كلمةٍ أحيتْ قلوبًا كريمةً وكم صرخةٍ في وجهِ باغٍ قد انقمعْ"، فتمنح الكلمة طاقة إحيائية، وتجعلها كائنًا قادرًا على بعث الضمائر، بينما تتحول الصرخة إلى قوة تكسر جبروت المعتدي. هنا يظهر الإيمان العميق برسالة اللغة، فالقصيدة لا تصف الكلمة، بل تجعلها فاعلًا تاريخيًا.
وفي البيت: "وليس السكوتُ عن المظالمِ رفعةً ولكنَّه بابُ المهانةِ إن خضعْ"، تتجسد المقابلة البلاغية بين الرفعة والمهانة، وهي مقابلة تمنح المعنى وضوحًا وقوة، إذ تهدم وهمًا اجتماعيًا يرى في الصمت وقارًا، لتؤكد أن الوقار الحقيقي هو الدفاع عن الحق.
أما قولها: "إذا خافَ قومٌ أن يقولوا حقيقةً فقد ألبسوا وجهَ الكرامةِ ما قنعْ"، فهو تصوير بديع للكرامة وكأنها إنسان يُلبس قناعًا يخفي ملامحه، فيصبح الخوف سببًا لتشويه جوهرها، وهي استعارة تمنح الفكرة بعدًا بصريًا مؤثرًا.
وفي قولها: "ويحسبُ بعضُ الناسِ أنَّ سكونَهم نجاةٌ، ولكنَّ المصيرَ هو الوجَعْ"، ترسم مفارقة إنسانية دقيقة؛ فالنجاة التي يظنها الإنسان في الصمت ليست سوى تأجيل للألم، لأن الوجع يعود بصورة أشد حين تُهدر الحقوق.
وتأتي الأبيات التالية لتؤكد أن الحقوق لا تستعاد إلا بالفعل الواعي، وأن الحقيقة تحتاج إلى صوت شجاع لا إلى انتظار، فتغدو القصيدة سلسلة من المبادئ الأخلاقية المتنامية التي ترتبط ببعضها بروابط منطقية متماسكة، فلا يشعر القارئ بأي انقطاع بين فكرة وأخرى.
وعندما تقول: "إذا اجتمعَ الأحرارُ صدقًا ووحدةً تهاوى بنيانُ الطغاةِ وما ارتفعْ"، تتحول الوحدة إلى معمار مضاد للطغيان، ويغدو الاستبداد بناءً هشًا يسقط أمام تماسك الإرادات، وهي صورة ذات بعد حضاري تتجاوز الحدث المباشر.
ثم تبلغ القصيدة ذروة الرجاء في قولها: "وإنَّ الليالي، إن تطاولَ ليلُها فصبحُ الهدى آتٍ، ووعدُ اللهِ وقعْ"، حيث يتحول الليل إلى رمز للمحنة، والفجر إلى رمز للخلاص، وهي ثنائية راسخة في التراث العربي والإسلامي، لكن الشاعرة توظفها بروح متجددة تجعل الأمل نتيجة للصبر والعمل معًا.
وتختتم النص بالتأكيد على أن الكرامة لا تُنال بالخضوع، وأن الصبر المثمر هو الصبر المقرون بالفعل والإيمان، فتغلق البناء الشعري كما بدأته: بدعوة إلى الموقف لا إلى التفرج.
لغويًا، تمتاز القصيدة بجزالة اللفظ، وسلامة التركيب، ووضوح العبارة، مع محافظة على روح البيان العربي الأصيل. مفرداتها تنتمي إلى معجم القيم الكبرى: الحق، الكرامة، الصبر، الإيمان، العزم، النصر، وهي مفردات تتكرر لتؤسس نسقًا دلاليًا واحدًا يمنح النص وحدة معنوية قوية. كما تحضر المحسنات البديعية حضورًا طبيعيًا غير متكلف، ولا سيما الطباق بين الصمت والكلام، والحق والباطل، والخضوع والكرامة، والمقابلات التي تزيد المعنى إشراقًا.
أما التركيب الإيقاعي، فيستند إلى البحر العمودي بإيقاع متماسك يمنح القصيدة نبرة خطابية تناسب رسالتها. وتوحيد القافية يعزز الإحساس بوحدة الموقف، ويجعل كل بيت امتدادًا موسيقيًا لما قبله، فتتولد حركة تصاعدية تنتهي بنداء أخلاقي واضح.
ومن حيث البناء الفني، تتدرج القصيدة من نقض مقولة الصمت، إلى بيان آثاره، ثم إبراز قيمة الكلمة، فالدعوة إلى الوحدة، ثم ختمها بالأمل والإيمان، وهو تسلسل منطقي يجعل النص أقرب إلى رحلة فكرية تتصاعد من السؤال إلى اليقين.
وعلى مستوى الصور الشعرية، لا تعتمد القصيدة على الزخرفة، بل على الصورة الوظيفية التي تخدم الفكرة؛ فالحق راية، والظلم بناء ينهار، والليل محنة، والفجر وعد، والكرامة وجه، والصمت باب، وكلها صور رمزية ذات أثر مباشر في المتلقي.
أما رحلة الإنسان الكونية في هذا النص فتتجسد في انتقال الإنسان من الخوف إلى الشجاعة، ومن السلبية إلى الفعل، ومن العزلة إلى الجماعة، ومن اليأس إلى الرجاء. إنها رحلة كل إنسان يواجه سؤال العدالة، فيكتشف أن كرامته ليست شأنًا فرديًا، بل مسؤولية إنسانية مشتركة، وأن الدفاع عن الحق هو دفاع عن المعنى العميق للوجود.

وذبذبة النص التي تتردد في الوجدان هي ذبذبة المقاومة الهادئة؛ ليست صاخبةً ولا غاضبةً فحسب، بل إيقاع داخلي يوقظ الضمير، ويزرع في النفس شعورًا بأن الكلمة الصادقة تستطيع أن تكون بداية تحول تاريخي، فتظل تتردد بعد انتهاء القراءة كما يتردد صدى جرس بعيد في فضاء الروح.
وتتجاوز اللغة حدودها حين لا تعود مجرد أداة للإخبار، بل تصبح مجالًا لإعادة تشكيل الوعي؛ فالكلمات لا تنقل معنى الحقوق فحسب، بل تجعل القارئ يعيشها تجربةً وجدانية، فيشعر أن الصمت ليس حالة صوتية، بل موقف وجودي، وأن الكلمة ليست لفظًا، بل مسؤولية.
والانسجام الروحي بين عناصر النص واضح في التقاء الإيقاع مع الفكرة، والرمز مع الرسالة، والعاطفة مع العقل، فلا يطغى الوعظ على الشعر، ولا يغيب الشعر خلف الفكرة، بل يتكاملان في نسيج واحد يجعل القصيدة متماسكة من مطلعها حتى خاتمتها.
ويسهم النص في خلق وعي إنساني أسمى لأنه يربط الكرامة بالفعل، والحرية بالمسؤولية، والإيمان بالأمل، ويجعل الدفاع عن الإنسان قيمة تتجاوز الحدود والأزمان، فتتحول القصيدة إلى دعوة أخلاقية مفتوحة تؤكد أن الحضارات لا تبنى بالصمت، وإنما بالكلمة الحرة والضمير الحي، وأن الشعر حين يلتقي بالحقيقة يصبح رسالةً تحفظ للإنسان إنسانيته، وللتاريخ ذاكرته، وللأمل جذوته المتقدة.
الناقد د طارق العابودي
 


Share:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *