
و.ش.ع العراق ۔ صالح العطوان الحيالي
السبت 16 مايو 2026
حركة باطنية متطرفة انشقت عن الإسماعيلية في القرن الثالث الهجري، اسسها حمدان بن الاشعث ( قرمط) واشتروا بتنظيمهم العسكري وعقاءدهم وتأسيس دولة في البحرين وشرق الجزيرة العربية وارتفاع جرائم تاريخية
في واحدة من أكثر الصفحات ظلامًا في التاريخ الإسلامي، وقعت أحداث مأساوية هزّت العالم الإسلامي في عام 319 هـ، حين ظهرت فتنة القرامطة التي تُعد من أعظم الفتن وأشدها قسوة ووحشية.
في ذلك العام، شنّ القرامطة هجومًا دمـ..ـويًا على الحجاج في مكة المكرمة، فارتكبوا مجـ..ـزرة مروعة راح ضحيتها عشرات الآلاف من المسلمين الذين جاؤوا لأداء فريضة الحج. لم يفرّقوا بين رجل وامرأة أو شيخ وطفل، فسالت الدماء في أقدس بقاع الأرض من الصباح حتى العصر، حتى قُدّر عدد القتلى بنحو ثلاثين ألف حاج.
بلغت وحشيتهم حدًّا غير مسبوق؛ إذ ألقوا بجثث القـ..ـتلى في بئر زمزم حتى امتلأت بالجـ..ـثث، ثم راكموا فوقها المزيد حتى أصبحت كالتل العظيم. ولم يكتفوا بذلك، بل انتهكوا حرمة الكعبة المشرفة، فمزقوا كسوتها، واقتلعوا بابها، ونهبوا ما فيها من كنوز وهدايا كانت تُهدى إليها عبر القرون.
وقف قائدهم متحديًا ومستهزئًا، يردد كلمات الكفر والغرور، ويسخر من قدسية المكان ومن آيات الله، في مشهد يعكس مدى الانحراف الفكري والعقدي الذي بلغوه.
ومن أبشع ما ارتكبوه، أنهم اعتدوا على النساء علنًا في محيط الكعبة، ثم قتـ..ـلوهن وألقوا بجثثهن في بئر زمزم. كما قاموا بتدنيس الحرم الشريف بأفعال شنـ..ـيعة، وتمادوا في انتهاك كل ما هو مقدس دون وازع من دين أو إنسانية.
ثم أقدموا على جريمة أخرى لا تقل فظاعة، إذ اقتلعوا الحجر الأسود بعد أن كسروه، وحملوه معهم إلى منطقة القطيف، حيث بقي هناك نحو عشرين عامًا. وخلال تلك الفترة، حاولوا فرض واقع جديد، فبنوا مركزًا بديلًا وأجبروا الناس على التوجه إليه بدلًا من مكة، مهددين كل من يرفض بالقـ..ـتل.
استغل القرامطة حالة الضعف التي كانت تمر بها الدولة العباسية آنذاك، وانشغالها بالصراعات الداخلية والثورات، فتمددوا في مناطق واسعة من الجزيرة العربية، ونشروا الرعب في طرق الحجاج، حتى اضطر كثير من المسلمين إلى ترك الحج خوفًا على حياتهم.
كما ارتكبوا مجـ...ـازر أخرى في مدن مثل البصرة، حيث استباحوا الد...ماء والأموال والأعراض لأيام طويلة، وعاثوا في الأرض فسادًا، يقـ..ـتلون الرجال، وينهبون الأموال، وينتهكون الحرمات، ويحرقون القرى بمن فيها.
ورغم كل هذا الطغيان، رفض المسلمون الانصياع لمحاولاتهم تحويل القبلة أو استبدال شعائر الحج، ففشلت محاولاتهم في تغيير عقيدة الأمة. وفي نهاية المطاف، أُعيد الحجر الأسود إلى مكانه بعد نحو اثنين وعشرين عامًا، بعد أن دفع الخليفة العباسي أموالًا طائلة لاسترجاعه.
تُعد فتنة القرامطة مثالًا صارخًا على ما يمكن أن تصل إليه الجماعات المنحرفة حين تجتمع السلطة مع التطرف، وكيف يمكن أن تتحول إلى قوة تدميرية تهدد الدين والمجتمع والإنسانية.
إن هذه الحادثة ليست مجرد قصة من الماضي، بل درس تاريخي عميق يُذكّر بخطورة الفتن، وضرورة الوعي، والتمسك بالحق، وعدم الانخداع بالشعارات الزائفة التي قد تخفي وراءها أبشـ..ـع الجـ...ـرائم.
المصادر
تاريخ ابن خلدون لابن خلدون
محمد سهيل طقوش تاريخ الزنج والقرامطة
محمد محمود خليل تاريخ الخليج وشرق الجزيرة
بن الجوزي مرآة الزمان

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *