
و.ش.ع العراق ۔ أ د صالح العطوان الحيالي
الخميس 11 يونيو 20262026

القائد المسلم يزيد بن أبي سفيان من أربعة قادة عقد لهم خليفة المسلمين الراية لقيادة الارتال المتوجهة لفتح الشام ،هو القائد الذي
مهد لاخيه معاوية بن أبي سفيان الطريق، ثم نسيه التاريخ ، في زحام الأسماء العظيمة التي ملأت صفحات الفتوح الإسلامية، يمرّ اسم الصحابي الجليل يزيد بن أبي سفيان مرورًا سريعًا، وكأن التاريخ أنصف رجالًا وترك رجالًا آخرين خلف الستار، رغم أن بعض هؤلاء كانوا من الذين قامت على أكتافهم بدايات المجد الإسلامي في بلاد الشام.
الصحابي الجليل يزيد بن أبي سفيان، الملقب بـ"يزيد الخير"، ذلك الرجل الذي جمع بين شرف الصحبة، وحسن الإسلام، وصدق البلاء في ميادين الجهاد، حتى صار من كبار قادة الفتح الإسلامي الأوائل.
كان يزيد بن أبي سفيان بن صخر بن حرب الأموي القرشي، أخًا لـ معاوية بن أبي سفيان، لكنه كان أكبر منه سنًا، وأرفع منه منزلة في ذلك الوقت، حتى ذكر أهل السير أن يزيد كان أفضل من أخيه. كما كان أخًا لأم المؤمنين أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان زوج النبي ﷺ.
أسلم يزيد يوم فتح مكة، ولم يكن إسلامه إسلام خوف أو اضطرار، بل حسن إسلامه، وثبتت استقامته، وشهد مع رسول الله ﷺ غزوة حنين، فنال من غنائمها مئة من الإبل وأربعين أوقية من الفضة.
وحين تولى أبو بكر الصديق رضي الله عنه الخلافة، وبدأت رايات الإسلام تتجه نحو بلاد الشام، كان يزيد من أوائل الرجال الذين وقع عليهم اختيار الخليفة لقيادة جيوش الفتح.
فقد جهز أبو بكر أربعة جيوش لفتح الشام، وجعل على أحدها يزيد بن أبي سفيان، ووجهه نحو البلقاء في الأردن. وكان يزيد أول القادة خروجًا من المدينة، وخرج أبو بكر بنفسه يودعه، يمشي إلى جانب فرسه، في مشهد بقي محفوظًا في كتب التاريخ.
فلما رأى يزيد الخليفة يمشي وهو راكب، قال:
"يا خليفة رسول الله، إما أن تركب، وإما أن تأذن لي أن أنزل، فإني أكره أن أركب وأنت تمشي." فقال له أبو بكر رضي الله عنه:
"ما أنا براكب، وما أنت بنازل، إني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله."
ثم أوصاه بتلك الوصية الخالدة في أخلاق الحرب، التي أصبحت فيما بعد قانونًا أخلاقيًا لجيوش المسلمين في الفتوح.وهذه الوصية
"وصية ابو بكر الصديق ليزيد بن أبي سفيان قبل تحرك جيوش فتح الشام" :
يا يزيد، إني أوصيك بتقوى الله وطاعته، والإيثار له، والخوف منه، وإذا لقيت العدو فأظفركم بهم، فلا تغلل ولا تمثل، ولا تغدر ولا تجبن، ولا تقتلوا وليدًا، ولا شيخًا كبيرًا ولا امرأة، ولا تحرقوا نخلًا ولا تقعره، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تعقروا بهيمة إلا لمأكلة، وستمرون بقوم في الصوامع، يزعمون أنهم حبسوا أنفسهم لله؛ فدعوهم وما حبسوا أنفسهم له،"، وصل يزيد إلى الشام في وقت كانت فيه الإمبراطورية البيزنطية تستعد بكل ثقلها لصد المسلمين، وعندما تجمعت جيوش الروم، استدعى أبو بكر خالد بن الوليد من العراق ليتولى القيادة العامة.
وكان يزيد أحد كبار القادة الذين شاركوا في معركة اليرموك، ووُضع على ميمنة أو ميسرة الجيش في بعض الروايات، وكان ممن ثبتوا يوم اضطربت الصفوف، حتى كتب الله للمسلمين النصر الذي فتح أبواب الشام كلها.
وبعد استقرار الفتح، تولى يزيد إمارة دمشق، فكان أول من وليها من المسلمين بعد فتحها، ثم خرج منها يواصل الفتح على سواحل الشام، ففتح صيدا وجبيل وبيروت وغيرها من مدن الساحل.
وكان أخوه معاوية يسير تحت رايته، يتعلم منه القيادة والتدبير، ولم يكن يزيد مجرد قائد حرب، بل كان رجل إدارة وسياسة، يجمع بين الحزم واللين، حتى أصبح من أبرز رجالات الشام في تلك المرحلة المبكرة من التاريخ الإسلامي.
لكن في سنة ثماني عشرة للهجرة اجتاح الشام وباء مهلك عرف باسم "طاعون عمواس"، فحصد أرواح الآلاف من المسلمين، ومات فيه كبار الصحابة والقادة، وفيهم أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه.
وبعد وفاة أبي عبيدة، كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى يزيد يوليه الشام كلها، لكن يزيد نفسه أصيب بالطاعون، ولم يلبث طويلًا حتى توفي في دمشق أواخر سنة ثماني عشرة للهجرة، وهو في أوج عطائه.
فطويت صفحة رجل من أوائل صناع الفتح الإسلامي في الشام، وورث أخوه معاوية من بعده ما كان يتولاه.
وهكذا بقي يزيد بن أبي سفيان، أو "يزيد الخير" كما سماه معاصروه، واحدًا من أولئك الرجال الذين صنعوا بدايات التاريخ، ثم غاب ذكرهم خلف من جاء بعدهم، مع أن كثيرًا من الأمجاد التي نُسبت إلى غيرهم إنما قامت أولًا على أكتافهم.
المصادر
1- البداية والنهاية
2- سير أعلام النبلاء
3- الطبقات الكبرى
4- فتوح البلدان
5- تاريخ الطبري

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *