
و.ش.ع العراق ۔ أ۔ د ۔ صالح العطوان الحيالي

الثلاثاء 26 مايو 2026
كان "سلمان الفارسي" ، واسمه الأصلي "روزبه" ، من أبناء الفرس الأغنياء ، ومن وجهاء (أصفهان).كان أبوه رئيس قريته ، وكان يحبه حباً شديداً ، حتى أنه حبسه في بيته خوفاً عليه ، كما تُحبس الجارية.
كان "سلمان" مجوسياً ، يعبد النار ، وكان أبوه حارساً للنار التي يوقدونها ، وقد أوكل إليه هذه المهمة ذات يوم.
في أحد الأيام ، وبينما كان "سلمان" في طريقه إلى ضيعة أبيه ، مر بكنيسة للنصارى ، وسمع أصواتهم وهم يصلون ، فدخل ليرى ما يفعلون.
أعجبه صلاتهم ، وقال: «هذا خير من ديننا» .. وسألهم عن أصل دينهم ، فأخبروه أنه في الشام.
عاد إلى أبيه وأخبره بما رأى وسمع ، فغضب أبوه وحبسه وقيد قدميه .. لم ييأس "سلمان" ، بل أرسل إلى النصارى يسألهم عن موعد قدوم القوافل إلى الشام.فلما جاءت قافلة ، فك قيده وهرب معهم إلى الشام ، وهناك، التقى بأحد الأساقفة ، وتعلم منه المسيحية ، لكن (الأسقف) كان رجلاً سيئاً ، يأمر الناس بالصدقة ويحتفظ بها لنفسه .. فلما مات ، أخبر "سلمان" أتباعه بحقيقته ، ودلهم على كنزه ، فقاموا بصلبه ورجمه. ثم التقى "سلمان" بأسقف آخر ، كان رجلاً صالحاً ، لازمه "سلمان" وتعلم منه الكثير ، فلما حضرته الوفاة ، سأله "سلمان: «إلى من توصيني؟». فقال له الأسقف: «يا بني ، والله ما أعلم أحداً على مثل ما كنا عليه إلا رجلاً بالموصل». فذهب" سلمان" إلى (الموصل) ، والتقى بالرجل الصالح ، وظل معه حتى مات.
وهكذا ، إنتقل "سلمان" من شيخ إلى شيخ ، ومن بلد إلى بلد ، في رحلة طويلة وشاقة بحثاً عن الدين الحق.
من (الموصل) إلى (نصيبين) ، ثم إلى (عمورية) .. وفي كل مرة ، كان شيخه يوصيه بشيخ آخر ، حتى وصل إلى آخر شيوخه في (عمورية).
فلما حضرته الوفاة ، سأله "سلمان": «إلى من توصيني؟».
فقال له الأسقف: «يا بني ، والله ما أعلم أحداً على مثل ما كنا عليه ، ولكنه قد أطل زمان نبي يبعث بدين "إبراهيم" ، يخرج بأرض العرب ، مهاجره بين حرتين ، بينهما نخل ، وله علامات لا تخفى: يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة ، وبين كتفيه خاتم النبوة». مات الأسقف ، وظل "سلمان" في "عمورية" ، حتى مر به ركب من العرب من (بني كلب) ، فطلب منهم أن يحملوه معهم إلى بلاد العرب مقابل بقراته وغنيماته.
وافقوا ، لكنهم غدروا به وباعوه عبداً ليهـ ـودي في وادي (القرى) .. ثم باعه اليهـ ـودي الآخر ليهـ ـودي من (بني قريظة) في (المدينة المنورة).
وصل "سلمان" إلى (المدينة المنورة) ، ورأى النخل الذي وصفه له شيخه .. وفي يوم من الأيام ، سمع الناس يتحدثون عن قدوم رجل إلى (قباء) يدعي النبوة.
ذهب "سلمان" إليه ، وقدم له طعاماً على أنه صدقة ، فلم يأكل النبي منه ، ثم قدم له طعاماً آخر على أنه هدية ، فأكل النبي منه ، ثم بحث "سلمان" عن خاتم النبوة بين كتفيه ، فوجده ، فعلم أنه النبي الموعود ، فأسلم على الفور.
لكن "سلمان" كان عبداً ، فلم يتمكن من المشاركة في غزوتي (بدر) و (أحد) .. فكاتبه النبي صلى الله عليه وسلم على أن يحرر نفسه مقابل ثلاثمائة نخلة يغرسها ، وأوقية من الذهب.
ساعده الصحابة في غرس النخل ، ووضع النبي صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة نخلة واحدة ، أما الذهب ، فقد أعانه النبي بقطعة الذهب ، فوفى بها "سلمان" ما عليه.
شارك "سلمان الفارسي" في غزوة (الخندق) ، وأشار على النبي صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق حول المدينة ، وهي الفكرة التي لم تكن معروفة للعرب ، وكانت سبباً في هزيمة الأحزاب.
عاش "سلمان الفارسي" رضي الله عنه حياة مليئة بالجـ ـهاد والعلم ، وكان من كبار الصحابة.
توفي "سلمان" في (المدائن) ، في خلافة "عثمان بن عفان" رضي الله عنه ، تاركاً خلفه سيرة عطرة ، ودروساً في الصبر ، والإصرار على البحث عن الحق ، والإيمان الراسخ الذي لا يتزعزع.
المصادر
مسند أحمد (حديث سلمان الفارسي).
سنن الترمذي
سيرة ابن هشام
الطبقات الكبرى لابن سعد.
البداية والنهاية لابن كثير
سير أعلام النبلاء للذهبي

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *