
و.ش.ع عمان .د.عطاف الخوالدة
الخميس 28 مايو 2026
✦ عيدٌ ينزف في غزة ✦
مقالة ودرس إيضاحي
بقلم: الدكتورة الشاعرة عطاف الخوالدة
أستاذة اللغة العربية ودراسات علوم القرآن الكريم والحديث الشريف والتفسير – الأردن
---
الملخص
تتناول هذه المقالة صورة العيد في غزة بوصفه حالة إنسانية مركّبة تتقاطع فيها دلالات الفرح الديني والاجتماعي مع واقع الألم الناتج عن الحرب والحصار. ويسعى البحث إلى تحليل المفارقة بين المعنى الرمزي للعيد بوصفه مناسبة للفرح والسلام، وبين تحوله في السياق الغزّي إلى خطابٍ إنسانيٍّ كاشفٍ لمعاناة المدنيين، ولا سيما الأطفال والنساء.
يعتمد البحث على مقاربة تحليلية وصفية للخطاب الأدبي، ويبرز كيفية توظيف اللغة البلاغية في تصوير الألم والصمود، وتحويل العيد من مناسبة احتفال إلى سؤالٍ أخلاقي وإنساني مفتوح حول العدالة والإنسانية
====
المقدمة
نقف أمام مفارقةٍ موجعة بين معنى العيد كما يُفترض أن يكون فرحًا وسلامًا، وبين ما تعيشه غزة من نزفٍ متواصلٍ تحت القصف والحصار. فتتحول تكبيرات العيد إلى صرخةٍ إنسانية تُدين الصمت قبل أن تُدين الجريمة، وتكشف عمق الألم الذي يخيّم على مدينةٍ تُكابد الموت يومًا بعد يوم.
وتتجلى صورٌ مؤثرة تجمع بين وجع الطفولة المهدورة، وحرقة الأمهات، وخراب البيوت، لتغدو مرآةً للمعاناة الجماعية، وفي الوقت نفسه إعلانًا عن صمودٍ لا ينكسر. وبين الدموع والدخان يعلو صوت الإيمان والثبات، ليؤكد أن غزة، رغم الجراح، تبقى حاضرةً كرمزٍ للكرامة والتحدي.
---
✦ عيد ووجع الطفولة المهدورة
في هذا العيد، لا يأتي الفرح كما اعتادت القلوب أن تستقبله، ولا تتفتح الأيام على ضحكةٍ صافية كما كان يُنتظر. وكأنّ الزمن نفسه قد انحرف عن مساره، فصار الضوء مثقلاً بالرماد، وصار الصباح يتردد قبل أن يدخل المدن.
في غزة، لا يشبه العيدُ العيد، بل يبدو كفكرةٍ بعيدةٍ تُروى أكثر مما تُعاش، بينما الواقع يكتب نصّه على جدرانٍ متصدعة، وصوت القصف يعلو على كل نشيد.
---
✦ بكاء الأطلال
ينحني الفجر على أطلال البيوت، كأنه يبكيها بدل أن يوقظها. تتكسر تكبيرات العيد في الهواء قبل أن تكتمل، فتخرج من بين الركام كدعاءٍ مجروح لا يصل إلى السماء إلا محمّلًا بالأنين.
الأرض تبدو مرهقة، كأنها تحفظ أسماء من رحلوا دون أن تجد متسعًا للبوح، والسماء، رغم اتساعها، تضيق بما لا يُقال.
---
✦ حربٌ أم حربُ إبادة
ليست الحرب على المكان فقط، بل على التفاصيل الصغيرة التي تصنع معنى الحياة؛ على ضحكة طفلٍ تمرّ كعصفورٍ خفيف، وعلى يد أمٍّ كانت تُعد الفرح كما تُعد الخبز، وعلى بيتٍ كان يحتفظ بدفء العائلة قبل أن يتحول إلى ذاكرةٍ من الغبار.
طفلٌ يفتش بين الركام عن لعبةٍ كانت له، كأنه يفتش عن زمنٍ كاملٍ ضاع منه دون تفسير. وأمٌّ تجمع بقايا الصور من تحت الرماد، تحاول أن تُمسك بملامح كانت يومًا حياة.
---
✦ ما يثقل الروح
وسط هذا المشهد الذي يثقل الروح، لا يغيب المعنى الآخر للحياة؛ ذلك الذي يتسرب من بين الشقوق مثل جذورٍ لا تموت. في غزة، الصبر ليس خيارًا بل ضرورة، والإيمان ليس فكرةً بل طريقة نجاة.
هناك قلوبٌ رغم الانكسار ما زالت تُعيد ترتيب نفسها كل صباح، كأنها ترفض أن تنطفئ. وصوت “الله أكبر” هنا ليس احتفالًا، بل تمسكٌ بالحياة، وإعلانٌ بأن الروح ما زالت تقاوم رغم كل ما يُراد لها أن تنطفئ.
---
✦ المفارقة
إن المفارقة في غزة أن الألم لا يُلغي الحياة، بل يعيد تعريفها. فبين الركام يولد معنى جديد للصمود، وبين الدخان تُكتب حكايات لا تُشبه الهزيمة.
كل بيتٍ مهدوم لا يختفي، بل يتحول إلى شاهدٍ على ذاكرةٍ لا تُمحى، وكل فقدٍ لا يمرّ بصمت، بل يتحول إلى وعدٍ خفيّ بأن القادم لن يكون امتدادًا للانكسار.
وفي هذا العيد تحديدًا، تتجلى الحقيقة بوضوحٍ قاسٍ: أن الفرح قد يُؤجَّل، وقد يُحاصر، وقد يُغتال لحظة ولادته، لكنه لا يُلغى من قلوبٍ تعلّمت أن تعيش على الحافة بين الألم والأمل.
---
✦ العدالة والإنسانية
يبقى العيد سؤالًا مفتوحًا عن العدالة والإنسانية، وعن معنى أن يُترك مكانٌ كاملٌ تحت النار بينما العالم يكتفي بالمشاهدة.
ومع ذلك، يبقى الجواب حاضرًا في تفاصيل الحياة الصغيرة التي لا تموت: في يدٍ تُمسك يدًا، في قلبٍ ما زال ينبض رغم كل شيء، وفي أرضٍ كلما ظنّوا أنها انتهت، نهضت من تحت الرماد أكثر حضورًا وإصرارًا.
---
الخاتمة
غزة في هذا العيد ليست مجرد صورة للحزن، بل شهادة على أن الإنسان حين يُحاصر لا يفقد إنسانيته، بل يعيد اكتشافها بشكلٍ أعمق. وأن الشعوب التي تتعلم أن تصنع من الألم معنى، لا يمكن أن تُمحى من التاريخ، مهما اشتدّ الظلام.
--
--يخلص البحث إلى أن غزة في العيد تمثل نموذجًا إنسانيًا لمفارقة الألم والأمل، حيث لا يُلغى الفرح تمامًا، بل يُعاد تعريفه في سياق المقاومة والصبر. كما يؤكد أن الخطاب الأدبي الإنساني قادر على تحويل المأساة إلى شهادة تاريخية وإنسانية لا تُمحى.
---
✦ المقطع الشعري الختامي
اللهُ أكبرُ… اللهُ أكبرُ… اليومُ عيدٌ يا غزّةُ الدَّمْ
والقصفُ ينهشُ طفلَها ظلمًا… ويزرعُ في لياليها ألمْ
اللهُ أكبرُ… ما عرفوا رحمةً
فالقتلُ عند قلوبِهم لهبٌ… ودربُهم نارٌ من السُّقمْ
اللهُ أكبرُ… يا كثرةَ اللطمِ والبكا
أهذا صمتٌ خذلَ القضيةَ؟ أم شهداءُ في العدمْ؟
عيدوا هناك… تحت أطباق الثرى
فالعيدُ صارَ بكفِّ أمٍّ تحتضن كفنًا وتبكي اليُتمْ
اللهُ أكبرُ رغم كل مصيبةٍ
ورغم صمت العالم المبهوت إذ شاهد المذبحة ولم يحتكمْ
---
✦ بيانات ختامية
المراجع (إرشادية)
القرآن الكريم
كتب التفسير في معاني الصبر والابتلاء
دراسات في الأدب الإنساني المعاصر
مقالات في الخطاب الأدبي في مناطق النزاع
نظريات تحليل الخطاب (Discourse Analysis)
---
بيانات البحث
إعداد: الدكتورة الشاعرة عطاف الخوالدة
التخصص: اللغة العربية – علوم القرآن الكريم – الحديث الشريف – التفسير
الدولة: المملكة الأردنية الهاشمية
---
.اسأل الله العظيم العفو والعافية واقبلوا الإحترام والتقدير

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *