2 watching nowالرئيسية / مــقالات / حرب العرش أخ ضد أخ.. بين بايزيد وجم»

حرب العرش أخ ضد أخ.. بين بايزيد وجم»

18-06-2026 3:53 م  جبهان حسن 36 views
حرب العرش أخ ضد أخ.. بين بايزيد وجم»

و.ش.ع

 بقلم/ دـ صالح العطونى الحيالى الحيالى 

حروب العرش كثيرة ابن وابيه أو اخ واخيه
في أيام الدولة العثمانية ، سلطان يُدعى بايزيد الثاني، ابن السلطان محمد الفاتح، وابن حفيد مراد الثاني. ولد في الثالث من ديسمبر سنة 1447م، وكان أكبر أولاد أبيه. لم يكن بايزيد مجرد وريث للعرش، بل كان رجلاً فريدًا يجمع في شخصيته بين قوة السيف ورقة الروح، بين حماس الجهاد وشغف العلم والتقوى.
عندما توفي والده السلطان محمد الفاتح عام 1481م، كان بايزيد حاكمًا لمدينة أماسية في آسيا الصغرى. لكن خبر الوفاة وصل سرًا إلى أخيه الأصغر "جم"، الذي كان يحكم إقليم القرمان، فسارع الأخير نحو إسطنبول محاولاً الاستيلاء على السلطنة قبل وصول أخيه الأكبر.
ثارت الإنكشارية غضبًا من محاولة التلاعب بالأمور، فقتلوا الوزير الذي كان يميل إلى جم، ونهبوا بعض أحياء العاصمة، ثم نصبوا ابن بايزيد الصغير "كورقود" نائبًا مؤقتًا حتى يصل والده.
أما بايزيد، فقد ركب مع أربعة آلاف فارس، وقطع مسافة طويلة شاقة في تسعة أيام فقط، ليصل إلى القسطنطينية ويتوج سلطانًا على الدولة العثمانية.
لم يهنأ بايزيد بالسلطنة طويلاً، إذ سمع أخوه جم بالخبر، فجمع جيشه ودخل مدينة بورصة عنوة بعد أن هزم حاميتها. ثم أرسل إلى أخيه رسالة يعرض فيها تقسيم الدولة: آسيا له، وأوروبا لبايزيد.
رفض بايزيد الاقتراح رفضًا قاطعًا، وقال في نفسه: "الدولة واحدة لا تُقسم".
التقى الجيشان قرب مدينة "يكي شهر" في يوليو 1481م، وانتصر بايزيد انتصارًا حاسمًا. هرب جم نحو حدود مصر، ثم لجأ إلى القاهرة ضيفًا على سلطان المماليك.
لم ييأس الأمير جم، فعاد بعد عام وحاول مرة أخرى بدعم من بعض الأمراء المحليين، لكنه هُزم مرة ثانية. فرّ أخيرًا إلى جزيرة رودس، حيث استقبله فرسان القديس يوحنا باحترام كبير.
هنا بدأت صفحة غريبة ومؤلمة من التاريخ. طلب بايزيد من فرسان رودس الاحتفاظ بأخيه تحت الحراسة الشديدة مقابل مبلغ سنوي كبير قدره 45 ألف دوكا، وعدم تسليمه لأي عدو من أعداء الدولة. وافق الفرسان، فنقلوا الأمير جم أولاً إلى فرنسا، ثم سلّموه لاحقًا إلى البابا في روما.
بقي الأمير جم ثلاثة عشر عامًا في شبه الأسر، يُنقل من مدينة إلى أخرى كرهينة سياسية، حتى توفي سنة 1495م في نابولي. دُفن أولاً في إيطاليا، ثم نُقلت رفاته لاحقًا إلى بورصة لتُدفن بجانب أجداده العثمانيين.
أما بايزيد الثاني، فقد حكم الدولة الواحدة ثلاثين عامًا وسنة واحدة. كان يميل إلى السلم أكثر من الحرب، لكنه لم يتردد أبدًا في الدفاع عن حدود دولته. افتتح قلاعًا مهمة، وخاض حروبًا مع المماليك ثم أبرم معهم صلحًا دائمًا، ووصلت حملاته البحرية حتى سواحل البندقية. وفي عهده بدأ نجم الشاه إسماعيل الصفوي يلمع في بلاد فارس.
كان بايزيد رجلاً متدينًا إلى أقصى درجة، يُروى أنه لم تفته صلاة فرض واحدة طوال حياته. كان يجمع غبار المعارك الذي يعلق بثيابه بعد كل غزوة، ويحفظه بعناية في صندوق خاص، معتبرًا إياه شهادة على جهاده في سبيل الله. وعندما دنا أجله، أوصى أن يُصنع من هذا الغبار طابوقة صغيرة توضع تحت خده الأيمن في قبره، مستندًا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار».
ومن أعجب القصص التي تُروى عن تقواه: عند افتتاح الجامع الكبير الذي بناه في إسطنبول (جامع بايزيد الثاني)، وقف الإمام أمام الحاضرين وقال: "ليتقدم ليؤم الناس في الصلاة من لم تفته صلاة فرض في حياته قط".
فساد الصمت في المسجد... ثم تقدم السلطان بايزيد بهدوء وخشوع، وأمّ المصلين. تأكد للجميع في ذلك اليوم أنه يستحق لقب "السلطان الولي".
كان عالمًا متبحرًا في العلوم الإسلامية والأدب، يحب بناء المدارس والمستشفيات والتكايا، ويهتم كثيرًا بأهل الحرمين الشريفين. أحبه الشعب لرحمته وحزمه في آن واحد.
لكن في آخر أيامه، ضغط عليه الإنكشارية فاضطر إلى التنازل عن العرش لابنه سليم الأول سنة 1512م. وفي طريقه إلى ديموتوكة (ديمتوقة)، توفي السلطان بايزيد الثاني في 26 مايو 1512م عن عمر يناهز الـ64 عامًا. نُقل نعشه إلى إسطنبول، ودُفن بجوار الجامع الشريف الذي يحمل اسمه.
المصادر
تاريخ الدولة العثمانية روبير منتران ترجمة بشير السباعي
ابن اياس بداءع الزهور
القلقشندي صبح الاعشى
ابو الوفاء العرضي معادن الذهب
البصروي تاريخ البصروي
الطباخ اعلام النبلاء

 


Share:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *