
و.ش.غ اليمن _ بقلم أ. د. عمر علي الهراش
تتشابك التطورات الميدانية في جنوب لبنان بشكل معقد مع المسار الدبلوماسي الحرج بين واشنطن وطهران، خاصة بعد توقيع "مذكرة التفاهم" الأخيرة بين الإدارة الأمريكية وإيران في منتصف يونيو 2026.
قراءة المشهد السياسي والعسكري تتلخص في المحاور التالية:
قدرة الإدارة الأمريكية على الضغط على الحكومة الإسرائيلية
تمتلك الإدارة الأمريكية الحالية بقيادة دونالد ترامب أدوات ضغط قوية، لكن طبيعة الحكومة الإسرائيلية تجعل الاستجابة لهذه الضغوط مسألة حسابات داخلية معقدة:
أولوية الصفقة الأمريكية: تضع واشنطن إنجاح الاتفاق مع إيران (الذي يشمل إعادة فتح مضيق هرمز ووقف الحرب الإقليمية) كأولوية قصوى. هذا الالتزام يدفع الإدارة للضغط بشكل علني وصارم على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لتقليص العمليات العسكرية ومنع انهيار التفاهمات.
الحدود العسكرية والسياسية لإسرائيل: رغم الضغوط الأمريكية، وتأكيد واشنطن لإيران بأن إسرائيل لن تصعد عملياتها الهجومية، إلا أن تل أبيب ترى أن الاتفاق الأمريكي-الإيراني لا ينبغي أن يكبل يدها في الرد على ما تصفه بـ "خروقات حزب الله". يعتبر الائتلاف الحاكم في إسرائيل أن أي انسحاب كامل أو وقف غير مشروط للعمليات في جنوب لبنان قد يُفسر سياسياً كـ "هزيمة لنتنياهو"، ولذلك تتمسك إسرائيل بالبقاء في الشريط الأمني (بعمق 10 كم) لتأمين حدودها الشمالية.
تأثير العمليات العسكرية على سير المفاوضات بين أمريكا وإيران
تؤثر الأحداث في جنوب لبنان بشكل مباشر وديناميكي على مسار التفاوض، وقد ظهر ذلك بوضوح في الأيام القليلة الماضية:
تعطيل مؤقت واشتراطات إيرانية: تسببت الغارات الإسرائيلية الأخيرة في تأجيل انطلاق المحادثات الفنية الإستراتيجية في سويسرا لبعض الوقت. وتربط طهران بشكل وثيق بين تنفيذ التزاماتها في الاتفاق (مثل فتح مضيق هرمز) وبين الوقف الكامل للعمليات العسكرية الإسرائيلية والانسحاب من جنوب لبنان، حيث تعتبر إيران أن الحفاظ على بنية "حزب الله" ركيزة أساسية لأمنها القومي.
الضغط الإيراني عبر مضيق هرمز: كأداة ضغط مضادة، هددت القيادة العسكرية الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز مجدداً أمام حركة الملاحة، متذرعة بالخروقات الإسرائيلية، في محاولة لإجبار واشنطن على ممارسة ضغوط أقصى على تل أبيب.
استمرار المسار الدبلوماسي رغم التوتر: على الرغم من هذا التصعيد الميداني الحاد وحرب التصريحات، إلا أن القنوات الدبلوماسية لم تنقطع. فالإدارة الأمريكية (عبر مفاوضيها في سويسرا وتصريحات نائب الرئيس جي دي فانس) تؤكد أن المحادثات مستمرة ولم تنهار، مستندة إلى رغبة الطرفين (الأمريكي والإيراني) في جني المكاسب الاقتصادية والسياسية للمذكرة، مما يجعلهما يحاولان احتواء التصعيد الميداني دون تفجير الاتفاق بالكامل.
الخلاصة: الإدارة الأمريكية قادرة على كبح الجماح الإسرائيلي لمنع مواجهة شاملة، لكنها قد لا تضمن وقفاً كاملاً للعمليات الميدانية الصغرى أو انسحاباً إسرائيلياً فورياً. هذا التوتر الميداني سيظل بمثابة "حقل ألغام" يهدد وتيرة المفاوضات الأمريكية-الإيرانية ويؤخر تفعيلها الكامل، دون أن يلغيها كلياً حتى الآن بسبب المصالح الإستراتيجية الكبرى لكلا القوتين.

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *