
و.ش.ع القاهرة رادا الجوهري
الثلاثاء 09 يونيو 2026
لم تأتِ فكرة هذا المقال من فراغ، بل بدأت من منشور كتبه صديقي العزيز فتحي عبد الرؤوف، المترجم المخضرم بالأمم المتحدة. فقد ذكر أن إحدى الطالبات سألته عن أفضل وسيلة لتحسين مستواها في الترجمة، فنصحها أحدهم بالرجوع إلى "معجم الأخطاء الشائعة".
بدت النصيحة للوهلة الأولى منطقية، لكن فتحي طرح تساؤلًا مهمًّا: ماذا لو ترسخت الأخطاء في ذهن الطالبة أكثر من الصواب؟ ماذا لو كانت لا تملك أصلًا قاعدة معرفية قوية تُمكِّنها من التمييز بين الخطأ والصواب؟
وهنا مربط الفرس!
لقد دفعتني هذه الفكرة إلى إعادة النظر في بعض مناهج اللغة الإنجليزية في الثانوية العامة بحكم تخصصي في الترجمة واللغة. وما استوقفني ليس صعوبة المادة في حد ذاتها، بل الطريقة التي تُقدَّم بها المعرفة للطالب.
في كثير من أسئلة الترجمة نجد أربعة اختيارات متقاربة إلى حد كبير. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: كيف يستطيع الطالب اختيار الإجابة الصحيحة إذا كان لا يعرف أصلًا تركيب الجملة الإنجليزية أو القاعدة التي بُنيت عليها؟
كيف نطلب منه التمييز بين الخطأ والصواب وهو لم يتقن الصواب بعد؟
بل كيف ننتقل إلى الاستثناءات قبل ترسيخ القواعد الأساسية؟
اللغةُ الإنجليزيةُ، على سبيل المثال، تقوم في بنيتها التقليدية على ترتيبٍ يبدأ بالفاعلِ ثم الفعلِ إذا كان الفعلُ لازمًا، أو بالفاعلِ والفعلِ والمفعولِ به إذا كان الفعلُ متعدِّيًا، بخلاف العربيةِ التي تتسع للجملةِ الاسميةِ والجملةِ الفعليةِ. والاستثناءاتُ موجودةٌ بالطبع، مثل حالاتِ عكسِ ترتيبِ الكلماتِ أو تقديمِ بعضِ عناصرِ الجملةِ وتأخيرِها في تراكيبَ خاصةٍ، لكنها تبقى استثناءاتٍ لا يجوز أن تُدرَّس قبل أن يستوعب الطالبُ الأصلَ.
وبينما كنت أتأمل هذه الإشكاليات في المنهج، تذكرت أستاذي الفاضل الدكتور عبد العزيز حمدي، المدير الأسبق لقسم دراسات اللغة العربية والترجمة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وأستاذي في الترجمة القانونية على وجه الخصوص، ذلك المجال الذي يتطلّب توخّي الدقة ولا يحتمل الخطأ أو التأويل بسبب ما يترتب عليه من آثار قانونية وحقوق والتزامات.
وأذكر جيدًا كيف كان يحرص على تدريب المدرِّسين والمترجمين من خلال ورش عمل ودورات متخصصة، إدراكًا منه أن جودة العملية التعليمية لا تتوقف عند جودة المادة العلمية فحسب، بل تمتد إلى كيفية تقديمها وإيصالها إلى المتلقي. فقد كان يؤمن بأن المعرفة مهما بلغت قيمتها تظل عاجزة عن تحقيق أهدافها إذا لم تجد من يحسن تبسيطها ونقلها. وهذه موهبة لا يرقى إليها أي شخص إلا إذا حباه الله بها ثم يكون قادرًا على تحمل المسؤولية تجاه الطلبة.
ومن هنا تفتَّقَ إلى ذهني سؤالٌ لا يقل أهميةً عن الأسئلة السابقة: هل خضع القائمون على تدريس طلاب الثانوية العامة للتدريب الكافي الذي يؤهلهم لإيصال المعلومة بصورة صحيحة؟ وهل يحصلون على فرص حقيقية لتطوير أساليب التدريس ومواكبة التحديات المتجددة التي يواجهها الطلاب؟
أطرح هذا السؤال لأنني أؤمن بأن فاقد الشيء لا يعطيه. فإذا كان المعلم نفسه لم يُتح له التدريب الكافي، أو لم يُزوَّد بالأدوات التي تساعده على تبسيط المعرفة وتحويلها إلى مهارات عملية، فكيف ننتظر من الطالب أن يفهم ويحلل ويستنتج؟
الاختيار الصحيح لا يأتي بمحض الصدفة!
وإذا كان إعداد المعلم يمثل أحد أركان العملية التعليمية، فإن هناك جانبًا آخر لا يقل أهمية، وهو طبيعة الأسئلة نفسها وطريقة تعامل الطالب معها.
فأسئلة الاختيار من إجابات متعددة ليست مشكلة في حد ذاتها، بل قد تكون وسيلة فعالة لقياس الفهم الحقيقي إذا بُنيت على أساس معرفي سليم. لكن الطالب لن يستطيع اختيار الإجابة الصحيحة اختيارًا واعيًا إذا لم يتعلم أولًا كيف يكتب جملة إنجليزية سليمة بنفسه، وكيف يوظف القاعدة في سياق حقيقي، وكيف يميز بين التراكيب المختلفة ودلالاتها.
إن معرفة الكلمات وحدها لا تكفي. فمهما حفظ الطالب من مفردات وألفاظ وتعبيرات اصطلاحية وغيرها، فلن تتحقَّق له الفائدة المرجوة إذا لم يعرف كيف يستخدمها في سياق صحيح. والكلمة التي تُحفظ بمعزل عن استخدامها في سياقها الصحيح سرعان ما تتلاشى من الذاكرة، أما الكلمة التي تُستخدم في جملة وتُوظف في موقف حقيقي فإنها تترسَّخ في الذهن وتصبح جزءًا من الحصيلة اللغوية الفعلية للمتلقي.
ولهذا فإن الهدف لا ينبغي أن يقتصر على تدريب الطالب على اجتياز سؤال الاختيار من إجابات متعددة، بل يجب أن يمتد إلى تمكينه من فهم اللغة ذاتها. فعندما يفهم اللغة يصبح قادرًا على الاختيار الصحيح، أما إذا اقتصر الأمر على الحفظ والتدريب الآلي فقد ينجح في اختيار الإجابة اليوم، لكنه قد يعجز غدًا عن كتابة رسالة بسيطة أو ترجمة فقرة قصيرة أو التعبير عن فكرة يريد إيصالها إلى الآخرين.
فالعبرة ليست بتكدُّس المعلومات في أذهان الطلاب، ولا بقدرتهم على التلقين لأكبر قدر ممكن من الكلمات والقواعد والنصوص خلال فترة زمنية محدودة، وإنما بمدى قدرتهم على توظيف ما تعلموه في التفكير والتحليل والاستنتاج. فكم من طالب حفظ عشرات القواعد ثم عجز عن كتابة فقرة سليمة، وكم من طالب اختزن مئات المفردات ثم لم يستطع استخدامها في موقف حقيقي أو واقعي قد يتعرض له في حياته اليومية.
إن المعرفة الحقيقية لا تُقاس بحجم ما نحفظه، بل بقدرتنا على فهمه وتوظيفه. ومن ثمَّ فمن الأهمية بمكان أن نعلِّم الطالب كيف يفكر قبل أن نطالبه بما يحفظ، وكيف يطرح الأسئلة قبل أن نطالبه بحفظ الإجابات، وكيف يبحث عن المعلومة ويختبرها ويناقشها ويحلِّلها قبل أن نطالبه باسترجاعها في ورقة امتحان!
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الحفظ؛ فالحفظ يظل أداة ضرورية لبناء الرصيد اللغوي والمعرفي. غير أن المشكلة تبدأ عندما يتحول الحفظ من وسيلة إلى غاية، ومن خطوة أولى نحو الفهم إلى بديل عنه. فالتعليم الذي يُنمِّي العقل هو الذي يجعل الطالب قادرًا على الربط والتحليل والنقد، لا ذلك الذي يختزل دوره في حفظ المعلومات واسترجاعها عند الحاجة إليها في قاعة الاختبار فحسب!
ولهذا فإن الأمم التي تقدمت لم تجعل محور العملية التعليمية هو كمية المعلومات التي يستوعبها الطالب، بل نوعية المهارات التي يكتسبها؛ إذ إن المعلومات تتغير وتتجدد كل يوم، أما القدرة على التفكير السليم فتظل رفيق الإنسان في كل مراحل حياته.
ولعل ما بدأ بسؤال بسيط طرحته طالبة تسعى إلى تحسين مستواها في الترجمة، انتهى إلى تساؤلات أكبر تتعلق بفلسفة التعليم ذاتها. فالمشكلة ليست في معجم الأخطاء الشائعة، ولا في أسئلة الاختيار من إجابات متعددة، ولا حتى في صعوبة اللغة الإنجليزية بحد ذاتها، وإنما في الطريقة التي نتعامل بها مع المعرفة.
إن شبح الثانوية العامة لن يختفي بزيادة عدد المراجعات النهائية، ولا بالإفراط في الدروس الخصوصية، ولا باللهاث خلف الوصول إلى أعلى الدرجات، بل حين يتحول التعليم من عملية حفظ إلى عملية فهم وتفكير.
وسيظل هذا السؤال يتابدر إلى الذهن: هل نحن على استعداد إلى تغيير طريقة تفكيرنا أمْ سَنَظَلُّ نَدُورُ في حَلْقَةٍ مُفْرَغَةٍ؟
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَابِأَنْفُسهم

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *