
و.ش.ع القاهرة ۔ رادا الجوهرى
هناك مباريات تُنسى بعد ساعات، وأخرى تبقى في الذاكرة سنوات، ثم هناك مباريات تتحول إلى حكاية تُروى كلما ذُكر اسم البطولة. بالنسبة لي، سيظل التاسع عشر من يوليو 2026 واحدًا من أجمل الأيام التي عشتها، ليس لأن إسبانيا تُوجت بكأس العالم فحسب، ولكن لأنني قضيت واحدة من أجمل الليالي وسط أقاربي، نتقاسم الترقب، ونتبادل الدعوات، ونعيش كل دقيقة وكأننا داخل الملعب.
وربما يبدو الأمر غريبًا للبعض، لكنني كنت أشجع إسبانيا بكل كياني، بالحماس نفسه الذي أشجع به الأهلي، حب عمري. لم تكن مجرد مباراة بالنسبة لي، بل كانت ليلة مليئة بالأمل، والدعاء، والانتظار.
وقبل النهائي بيوم واحد، تابعنا مباراة تحديد المركزين الثالث والرابع بين إنجلترا وفرنسا، وهي المباراة التي أثبتت أن كرة القدم لا تعترف بالتوقعات. ففرنسا، التي رشحها مئات الآلاف للفوز بكأس العالم، وقدمت بطولة رائعة، والتي تمتلك ترسانة هجومية قوية مدججة بالنجوم وعلى رأسهم مبابي، بل ولم تستقبل طوال البطولة سوى أربعة أهداف، ظهرت بصورة لم يتوقعها أحد. فجأة استقبلت ستة أهداف كاملة في مباراة واحدة أمام إنجلترا، لتنتهي المواجهة بنتيجة 6-4، في مباراة شهدت عشرة أهداف كاملة، يطلق عليها الإعلام الإنجليزي:
10-Goal Thriller أي ملحمة كروية من عشرة أهداف كانت مباراة تؤكد أن كرة القدم قادرة دائمًا على كسر كل التوقعات.
وما زلت أذكر كيف رأى كثيرون، بعد خروج مصر، أن الحل كان يكمن في الدفاع والاعتماد على إغلاق المساحات، بل إن بعضهم طالب بأن يدفع حسام حسن بالمدافع حسام عبد المجيد منذ البداية. لكن كرة القدم لا تعترف بعبارة "لو". فبعد أيام قليلة، تقدمت إنجلترا على الأرجنتين في نصف النهائي، ثم تراجعت للحفاظ على تقدمها، وهو الأسلوب نفسه الذي دعا إليه كثيرون، ومع ذلك عاد المنتخب الأرجنتيني وقلب النتيجة إلى فوز بهدفين مقابل هدف. وهكذا أدركت أن كرة القدم لا تعترف بالتوقعات، ولا بما يظنه الناس الطريق الأقصر إلى الفوز؛ فهي كثيرًا ما تفاجئ الجميع، بل إنها كثيرًا ما تخذل أكثر التوقعات منطقية، فلا شيء يُحسم فيها قبل أن يطلق الحكم صافرة النهاية.
لكن كل ذلك لم يكن سوى مقدمة لما كنت أنتظره حقًا... نهائي كأس العالم بين إسبانيا والأرجنتين!
دخلت إسبانيا المباراة بثقة، ولعبت كرة قدم جميلة، ولم تستسلم رغم الضغوط، وحتى بعد إلغاء هدفين لها، واصلت القتال حتى النهاية. لم يتغير أسلوبها، ولم تفقد هدوءها، بل استمرت في البحث عن الفوز حتى استحقته عن جدارة.
أما المنتخب الأرجنتيني، الذي اعتاد أن يحسم كثيرًا من مبارياته في الدقائق الأخيرة، فلم يظهر بالصورة التي اعتدناها طوال البطولة، وازدادت معاناته بطرد أحد لاعبيه، في واقعة لم تحدث له منذ بداية كأس العالم. وظلت المباراة مشتعلة حتى صافرة النهاية، وسط أجواء حبست أنفاس الملايين. فهناك مباريات تنتهي بصافرة الحكم أو حتى قبل انتهاء المباراة بدقائق، وأخرى يظل أثرها باقِيًا و صداها طويلًا في النفس، وكانت مباراة مصر والأرجنتين من هذا النوع بالنسبة لي.
ولم تكن خسارةُ مصر أمام الأرجنتين مجرد هزيمةٍ في مباراة، بل كانت من أكثر اللحظات الرياضية إيلامًا بالنسبة لي، كان إحساسًا صعبًا لا يمكن وصفه إلى درجة أنني لم أكتب كلمةً واحدةً عن المباراة، وكأنني أردت أن أمحوها من ذاكرتي. لكن ما خفف ذلك الألم هو الاحترام الكبير الذي حظيت به مصر من جماهير وإعلام العالم، والإشادة بما قدمه منتخبها طوال البطولة.
وربما لهذا السبب تحديدًا، كان نهائي كأس العالم يعني لي، ولعدد كبير من المصريين، أكثر من مجرد مباراة للفوز بكأس العالم، بل كانت مباراةً حملت للمصريين مشاعر تتجاوز حدود النتيجة نفسها. كان الماتش النهائي يحمل بعدًا عاطفيًا، ولذلك جاء فوز إسبانيا ليمنح كثيرين شعورًا بالرضا، وكأن صفحة مؤلمة قد طويت.
وأكثر ما أعجبني في المنتخب الإسباني لم يكن الفوز وحده، بل شخصيته داخل الملعب، فلم يلجأ إلى الاستسلام، ولم يفقد هدوءه، ولعب بروح قتالية راقية، حتى استحق أن يحصد ثمار اجتهاده، فنال لاعبوه وجهازه الفني أهم الجوائز الفردية في البطولة، حيث تُوج رودري بجائزة أفضل لاعب، وأوناي سيمون بجائزة أفضل حارس مرمى، بينما استحق المدرب لويس دي لا فوينتي لقب أفضل مدرب بعد البطولة الاستثنائية التي قدمها منتخب بلاده.
ولا أنكر أن ليونيل ميسي سيظل أحد أعظم لاعبي كرة القدم عبر التاريخ، بما حققه من إنجازات وما يمتلكه من موهبة استثنائية، لكن كرة القدم تبقى لعبة جماعية، ولا يكفي فيها اسم لاعب مهما بلغت قيمته إذا كان الفريق المنافس أكثر تنظيمًا وإصرارًا واستحقاقًا.
وبينما كنت أشاهد لاعبي إسبانيا يحتفلون بالكأس، شعرت أن الرسالة الأجمل في هذه البطولة لم تكن في عدد الأهداف، ولا في قيمة النجوم، وإنما في أن الاجتهاد والانضباط والروح الجماعية، حين تقترن بالأخلاق الرياضية والتواضع واحترام المنافس قادرةٌ على صناعة المجد. لذلك لم يكن الكأس في تلك الليلة مجرد قطعة من الذهب، بل مكافأةً مستحقةً لرؤيةٍ آمنت بأن المجد يُبنى خطوةً بعد أخرى حتى يبلغ القمة، ولقناعةٍ راسخةٍ بأن الإنجاز لا يُولد صدفة، وتصنعه سنواتٌ من العمل والانضباط والصبر، بل يُصنع بالاجتهاد والصبر والعمل الجماعي.
ولعل هذا يقودني إلى فكرة أكبر من كرة القدم نفسها. ففي النهاية، لا تقاس قيمة الإنسان بمهارته وحدها، وإنما بأخلاقه أيضًا. وليس من قبيل المصادفة أن تسمى وزارة التربية والتعليم بهذا الترتيب؛ فالتربية تسبق التعليم، والأخلاق تسبق المهارة، والاحترام يسبق الإنجاز.
قد تختلف الجماهير في تشجيع المنتخبات، وقد تتباين الآراء حول أحقية هذا الفريق أو ذاك، لكن يبقى المؤكد أن الفوز يكون أجمل حين يقترن بالأداء الراقي، والروح الرياضية، والاحترام داخل الملعب وخارجه. وهذا ما أثبتته إسبانيا منذ انطلاق مشوارها في البطولة وحتى الدقيقة الأخيرة من الوقت الإضافي في المباراة النهائية؛ فقد جمعت بين جودة الأداء، وروح المنافسة، واحترام الخصم، فاستحقت الكأس، واستحقت معها احترام العالم.
ولهذا، فإن فوز إسبانيا لم يكن بالنسبة إلى كثير من المصريين مجرد انتصار في مباراةٍ نهائية، بل كان لحظةً أعادت إليهم ابتسامةً افتقدوها منذ خروج منتخبهم، وأشعرتهم بأن الأيام تدور، وأن لكل بطولةٍ فارسها الذي يستحق التتويج، ولكل مباراةٍ نهايتها، وأن الظلم -كما يراه الإنسان- لا يدوم، وأن الأمل يبقى حاضرًا حتى صافرة النهاية، فلم يكن نهائي كأس العالم بالنسبة إلى ملايين المصريين مجرد مباراةٍ بين إسبانيا والأرجنتين، بل كان امتدادًا لمشاعرٍ لم تخمد وفرصةً لإغلاق صفحةٍ لم تُطوَ في قلوب كثير من المصريين منذ خروج منتخبهم من البطولة منذ خروج مصر من البطولة. ولهذا، عندما أطلق الحكم صافرة النهاية معلنًا تتويج إسبانيا، لم يحتفل الإسبان وحدهم... بل عاش ملايين المصريين لحظة التتويج وكأنها انتصارٌ لهم، وشعروا بأن هذا الانتصار قد أشفى غليلهم أخيرًا.

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *