13 watching nowالرئيسية / مــقالات / الحزم والتسامح في السياسة

الحزم والتسامح في السياسة

19-09-2026 2:10 م  وكالة انباء الشرق العربي 189 views
الحزم والتسامح في السياسة

و.ش.ع            العراق ۔ أ د صالح العطوان الحيالي  

السبت 19سبتمبر2026              
في الدول التي ترسخت فيها  الموءسسات لايكون التسامح بديلا عن الحزم والعدالة ولا يكون الحزم والعدالة نقيضا للتسامح بل يتكامل المساران في بناء دولة قوية تحفظ هيبة القانون وتفتح في الوقت ذاته أبوا ب الصفح والمصالحة ، يقوم النجاح في الحكم على الجمع بين الحزم والتسامح فالحزم يحفظ هيبة الدولة وينفذ القانون بينما يفتح التسامح باب الحوار ويحقق الاستقرار المجتمعي التوازن بين هذين القطبين يصنع  سياسة حكيمة وقوية. ومن هنا نحتاج إلى معرفة مفهوم الحزم في السياسة 
فرض النظام وسيادة القانون
ردع التجاوزات وحماية الموسسات
إثبات هيبة الدولة وقوة قرارها في الأزمات 
اماً مفهوم التسامح  فهو
قبول التعددية واحترام الرأي الآخر
فتح قنوات حوارية 
العفو والمصالحة الوطنية 
تجنب الإقصاء 
وللتوازن بينهما
الحزم بلا تسامح يتحول إلى استبداد
تسامح بلا حزم يتحول إلى ضعف 
التكامل المثالي يسود الحزم في تطبيق النظام ويظهر التسامح في إدارة الخلافات . 
تحتاج السياسة، في جوهرها، إلى قدر من الحزم لا يقل أهمية عن حسن النية وصلاح المقصد. فالحاكم قد يكون صالحًا مخلصًا، لكنه إذا لم يمتلك القدرة على ضبط رجاله ومراقبة ولاته ومحاسبة المقصرين، فقد تتحول نواياه الحسنة إلى نتائج لم يكن يريدها. ومن هنا تبدو تجربة الخلفاء الراشدين مجالًا مهمًا للتأمل في العلاقة بين الفضيلة الشخصية للحاكم وبين أدوات السلطة وآليات الرقابة والمحاسبة.
ومن أبرز النماذج التي يمكن المقارنة بينها في هذا السياق تجربة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وتجربة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه. وكلاهما من كبار الصحابة، ومن الخلفاء الراشدين، ولهما مكانة عظيمة في تاريخ الإسلام؛ غير أن أسلوب كل واحد منهما في إدارة الدولة والتعامل مع الولاة وأهل النفوذ كان مختلفًا إلى حد كبير. وقد كان لهذا الاختلاف أثر في طبيعة العلاقة بين الخليفة ومراكز القوة في الدولة.
عمر بن الخطاب: الحزم في الادارة بوصفه أداة لحماية الدولة
اشتهر عمر رضي الله عنه بقوة الشخصية وشدة الحزم، وكان يرى أن مسؤولية امير المؤمنين لا تقتصر على إصدار الأوامر، بل تشمل مراقبة من يتولى شؤون الناس، والتأكد من أن السلطة لا تتحول إلى امتياز شخصي أو باب للثراء والنفوذ.
ولهذا كان شديد المتابعة للولاة والعمال، لا يترك لهم الحبل على الغارب، بل يحاسبهم، ويتفقد أحوالهم، ويستمع إلى شكاوى الناس منهم، ويتدخل إذا رأى أن أحدًا منهم تجاوز حدود وظيفته. ولم يكن المنصب عنده حصانة لصاحبه، بل كان تكليفًا يترتب عليه الحساب.
وقد اتخذ عمر من الرقابة والمحاسبة وسيلة لمنع تشكل مراكز قوة مستقلة داخل الدولة. فالحاكم الذي يعرف أن الخليفة يتابعه، وأن الناس يستطيعون الشكوى منه، وأن أمواله وأحواله قد تكون موضع مساءلة، يكون أقل قدرة على الاستبداد أو الاستقلال عن السلطة المركزية.
ومن منظور السياسة الواقعية، كانت هذه الشدة تؤدي وظيفة سياسية مهمة: إبقاء الولاة تحت سقف الدولة، ومنعهم من الشعور بأن مناصبهم ملك شخصي أو قاعدة لبناء نفوذ مستقل.
ولم يكن حزم عمر مجرد قسوة في التعامل، بل كان جزءًا من منظومة متكاملة تقوم على وضوح السلطة، وقوة المركز، وسرعة المحاسبة، وصرامة التعامل مع مظاهر الفساد أو استغلال النفوذ. ولذلك استطاع أن يحافظ بدرجة كبيرة على هيبة الخلافة، وأن يجعل الوالي يشعر بأنه جزء من جهاز الدولة لا مركز قوة ينافسها.
عثمان بن عفان: الحلم والمرونة في الادارة أمام اتساع الدولة
أما غير المؤمنين عثمان رضي الله عنه، فقد كان معروفًا بالحلم والحياء والرفق، وهي صفات عظيمة في ذاتها، لكنها في المجال السياسي قد تحتاج إلى أن تُدعَم بقدر كافٍ من الحزم، خصوصًا عندما تتسع الدولة وتكثر المصالح وتتعدد مراكز النفوذ.
وقد تولى عثمان الخلافة في مرحلة مختلفة عن مرحلة عمر. فقد اتسعت الدولة الإسلامية اتساعًا هائلًا، وتراكمت الثروات، وكثرت الأقاليم، وظهرت طبقة من أصحاب النفوذ والقادة والولاة الذين أصبحت لهم شبكات اجتماعية وسياسية واسعة. وفي مثل هذه البيئة، تصبح عملية إدارة الدولة أكثر تعقيدًا، ويصبح الحفاظ على هيبة المركز السياسي أكثر صعوبة.
ومن هنا يرى بعض المؤرخين أن عثمان رضي الله عنه كان أكثر تساهلًا في التعامل مع بعض ولاته وأقربائه، وأنه منحهم مساحة أوسع من الثقة والسلطة مما كان عمر يسمح به. وقد أدى ذلك، في نظر هذا الاتجاه من القراءة التاريخية، إلى نشوء شعور لدى بعض الولاة وأهل النفوذ بأن الخليفة لن يكون شديدًا في محاسبتهم، أو أنه سيتردد في عزلهم أو التضييق عليهم.
وهنا تظهر نقطة مهمة في السياسة الواقعية: التساهل مع المسؤول لا يُفهم دائمًا على أنه رحمة، فقد يُفهم سياسيًا على أنه ضعف. والفرق بين الأمرين ليس في نية الحاكم، وإنما في الطريقة التي يقرأ بها الآخرون سلوكه.
فإذا علم الوالي أن الحاكم شديد الرقابة، سريع المحاسبة، لا يتردد في العزل، فإنه سيحسب خطواته بدقة. أما إذا اعتقد أن الحاكم يميل إلى العفو والتسامح، وأنه يتردد في اتخاذ القرارات الصارمة، فقد يرى بعض أصحاب النفوذ أن بإمكانهم توسيع هامش حركتهم. ومن هنا قد يتحول التسامح، من حيث لا يقصد صاحبه، إلى عامل يشجع على التمادي.
الحزم ليس نقيض الرحمة
لكن من الخطأ أن نفهم المقارنة بين عمر وعثمان على أنها مقارنة بين حاكم قوي وحاكم ضعيف، أو بين رجل سياسي ناجح وآخر فشل سياسيًا. فهذه قراءة تبسيطية لا تنصف التاريخ ولا الشخصيتين.
فالحزم لا يعني الظلم، واللين لا يعني الضعف. وقد يكون الحاكم شديدًا في موضع يحتاج إلى الشدة، رحيمًا في موضع يحتاج إلى الرحمة. كما أن الظروف التي حكم فيها عمر لم تكن هي الظروف نفسها التي واجهها عثمان.
ومع ذلك، فإن التجربة التاريخية تسمح باستخلاص قاعدة سياسية مهمة: السلطة لا تقوم على صلاح الحاكم وحده، بل تحتاج إلى مؤسسات وآليات تضبط سلوك من يمارسون السلطة باسمه.
وقد يكون أحد أسباب صعوبة عهد عثمان أن اتساع الدولة وتضخم المصالح جعل الحاجة إلى نظام رقابي أكثر صرامة أكبر من ذي قبل. فكلما اتسعت الدولة، ازداد خطر أن تتحول المسافة بين المركز والأقاليم إلى مساحة يتحرك فيها الولاة بحرية أكبر، وأن تتكون حولهم شبكات من المصالح يصعب على الخليفة تفكيكها.
من رقابة عمر إلى أزمة عثمان
إذا أردنا قراءة التجربتين بمنظار الادارة الواقعية، فإن الفرق الأبرز يمكن أن يُعبَّر عنه كالاتي:
كان عمر رضي الله عنه يميل إلى أن هيبة الدولة تُبنى على الرقابة والمحاسبة والخوف من تجاوز السلطة، بينما كان عثمان رضي الله عنه يميل بدرجة أكبر إلى الثقة واللين وحسن الظن وإعطاء مساحة أوسع لمن يثق بهم.
وكانت هذه السياسة مناسبة لطبيعة عثمان الشخصية وأخلاقه، لكنها في بيئة سياسية مضطربة قد تنتج نتائج غير مقصودة. فالحاكم الذي يعفو عن الوالي قد يقصد الرحمة، لكن خصومه قد يرون في عفوه ضعفًا. والحاكم الذي يثق بأحد رجاله قد يقصد الوفاء، لكن الناس قد يرون في ذلك محاباة. والحاكم الذي يتردد في عزل مسؤول خشية الفتنة قد يجد نفسه، ومن المفاراقات، أمام فتنة أكبر بسبب بقائه.
وهذا ما يجعل السياسة الواقعية مختلفة عن الحكم الأخلاقي المجرد؛ فليس المهم فقط أن يكون القرار حسن النية، بل يجب أن يُنظر أيضًا إلى آثاره على ميزان القوى، وعلى ثقة الناس، وعلى هيبة الدولة، وعلى سلوك الخصوم والحلفاء.
الدرس المستخلص
يمكن القول إن تجربة عمر رضي الله عنه تقدم نموذجًا للحاكم الذي أدرك مبكرًا أن الدولة تحتاج إلى الرقابة قبل وقوع الخطأ، والمحاسبة عند وقوعه، والحزم في منع تحول المسؤول إلى مركز قوة مستقل.
أما تجربة عثمان رضي الله عنه فتقدم درسًا آخر، وهو أن الحلم والرحمة والثقة، رغم فضلها الأخلاقي، قد تحتاج في إدارة الدولة إلى مؤسسات قوية تضمن ألا تتحول إلى ثغرات يستغلها أصحاب النفوذ.
والدرس الأهم هنا أن الحاكم لا ينبغي أن يعتمد على صلاحه الشخصي أو صلاح رجاله وحده. فحتى أفضل الناس قد يخطئون، وحتى أقرب المخلصين قد يضعفون أمام السلطة والمال. ولذلك فإن السياسة الواقعية تقوم على مبدأ بسيط: ثق بالناس، ولكن راقبهم؛ أحسن الظن، ولكن لا تُلغِ المحاسبة؛ ارحم، ولكن لا تسمح للرحمة أن تهدم هيبة القانون.
وفي النهاية، فإن المقارنة بين عمر وعثمان رضي الله عنهما لا ينبغي أن تتحول إلى انتصار لشخص على آخر، بل إلى محاولة لفهم طبيعة الحكم وتحدياته. فقد كان عمر نموذجًا للحزم والرقابة المركزية الصارمة، وكان عثمان نموذجًا للحلم واللين والثقة. وإذا كان التاريخ قد أظهر أن الحزم المفرط قد يحمل مخاطر، فإن التساهل المفرط يحمل مخاطر كذلك.
ولعل الادارة الرشيدة هي التي تجمع بين فضيلتين: حزم عمر في حماية الدولة وهيبتها، وحلم عثمان في التعامل مع الناس. فالدولة تحتاج إلى قلب رحيم، لكنها تحتاج كذلك إلى يد قادرة على المنع والمحاسبة. والحاكم الناجح ليس من يختار بين الرحمة والحزم، وإنما من يعرف متى يرحم، ومتى يحزم، ومتى يكون العفو قوة، ومتى يصبح العفو سببًا في جرأة من لا يستحق التساهل.


Share:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *