
و .ش .ع بقلم: د. نرمين فايز
باحثة دكتوراه في العلوم السياسية – جامعة السويس
الثلاثاء 13اكتوبر2026
مقدمة: حين تتجاوز التهديدات حدود الجغرافيا
لم تعد التهديدات الأمنية في الشرق الأوسط محصورة في ساحات المواجهة التقليدية، بل باتت قادرة على الانتقال بين المجالات العسكرية والاقتصادية والبحرية، بما يفرض على الدول إعادة النظر في أدوات حماية مصالحها الاستراتيجية. وقد أعادت الهجمات التي طالت مطار الملك خالد الدولي في الرياض خلال أكتوبر 2026 تسليط الضوء على هشاشة المنشآت الحيوية أمام التصعيد الإقليمي، وعلى قدرة المواجهات المحلية على إحداث تداعيات تتجاوز حدود الدولة المستهدفة.
ولا تكمن أهمية هذه التطورات في أبعادها الأمنية المباشرة فحسب، وإنما في تزامنها مع تصاعد التنافس على النفوذ في اليمن ومحيط مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر، ومنه إلى قناة السويس والبحر المتوسط. فالتطورات في هذه المساحة الجغرافية لا تنفصل عن مصالح القوى الإقليمية والدولية، كما أن انعكاساتها قد تمتد إلى التجارة العالمية وتكاليف النقل والطاقة وحسابات الأمن القومي للدول المرتبطة بها.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية تناول العلاقة بين التصعيد في الخليج العربي والتحولات الأمنية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، ليس باعتبارها مسارًا واحدًا تتحكم فيه جهة واحدة، وإنما بوصفها مجموعة من التفاعلات المتشابكة التي يمكن أن تتقاطع آثارها عند المصالح الاستراتيجية المصرية.
ويطرح ذلك تساؤلًا محوريًا: كيف يمكن لمصر أن تحمي مصالحها في ظل اتساع نطاق التهديدات الإقليمية، وتزايد أهمية الممرات البحرية، وتداخل الاعتبارات الأمنية والاقتصادية في تشكيل موازين القوة؟
أولًا: استهداف المنشآت الحيوية وتحول طبيعة الصراع
تكشف الهجمات التي طالت مطار الرياض عن أحد أوجه التحول في طبيعة التهديدات المعاصرة، حيث لم تعد المنشآت الحيوية مجرد أهداف ذات قيمة مادية، بل أصبحت جزءًا من معادلة الضغط السياسي والاستراتيجي. فالمطارات الدولية ومرافق الطاقة والموانئ تمثل ركائز أساسية لاستمرار النشاط الاقتصادي، وترتبط بكفاءة حركة الأفراد والبضائع، فضلًا عن تأثيرها في ثقة المستثمرين وشركات النقل والأسواق الدولية.
وعندما تتعرض هذه المنشآت للتهديد أو التعطيل، فإن النتائج لا تتوقف عند الأضرار المباشرة، بل قد تمتد إلى اضطراب حركة الطيران، وارتفاع تكاليف التأمين، وإعادة تقييم المخاطر، وتراجع القدرة على ضمان انتظام الخدمات الأساسية.
ويعكس ذلك اتساع مفهوم الأمن القومي، الذي لم يعد يقتصر على حماية الحدود والمنشآت العسكرية، بل يشمل أيضًا حماية البنية التحتية والاتصالات وشبكات النقل والطاقة، وضمان قدرة الدولة على مواصلة وظائفها الأساسية في ظل الأزمات.
كما يبرز تطور وسائل الهجوم، بما في ذلك الصواريخ والطائرات المسيّرة، أهمية بناء منظومات دفاعية متكاملة تجمع بين الإنذار المبكر، ودقة المعلومات، وسرعة الاستجابة، والقدرة على حماية المنشآت المدنية والعسكرية. فالتفوق في هذا المجال لا يتحقق بمجرد امتلاك وسائل دفاع متطورة، وإنما يتطلب تنسيقًا مؤسسيًا واستعدادًا مستمرًا وتقييمًا دقيقًا لطبيعة التهديدات المتغيرة.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين استهداف منشأة حيوية وبين امتلاك القدرة على تحقيق نتائج استراتيجية مستدامة؛ فالتأثير الحقيقي لأي هجوم يتوقف على حجم الأضرار، ومدى استمرار التعطيل، وطبيعة الاستجابة، وقدرة الدولة المستهدفة على احتواء التداعيات ومنع تكرارها.
ومن هنا، لا ينبغي قراءة ما جرى في الرياض باعتباره واقعة أمنية منفصلة عن محيطها، بل بوصفه مؤشرًا على اتساع نطاق المخاطر التي تواجه البنية التحتية في بيئة إقليمية تتزايد فيها احتمالات التصعيد.
ثانيًا: باب المندب.. الأهمية الجغرافية وحدود القوة
يحتل مضيق باب المندب موقعًا محوريًا في منظومة التجارة البحرية العالمية، نظرًا إلى اتصاله بخليج عدن والمحيط الهندي من جهة، والبحر الأحمر وقناة السويس من جهة أخرى. وتمنحه هذه المكانة أهمية تتجاوز حدوده الجغرافية، إذ يرتبط انتظام الملاحة فيه بكفاءة أحد المسارات الرئيسية للتجارة بين آسيا وأوروبا.
وتتحول هذه الأهمية إلى مصدر للضغط الاستراتيجي عندما تتعرض المنطقة المحيطة بالمضيق لتهديدات أمنية مستمرة. فحتى من دون إغلاق الممر الملاحي بصورة كاملة، يمكن لارتفاع المخاطر أن يدفع بعض شركات الشحن إلى تغيير مساراتها، أو زيادة إجراءات الحماية، أو تحمل تكاليف إضافية للتأمين والنقل.
وتوضح هذه المعادلة كيف يمكن للموقع الجغرافي أن يمنح بعض الفاعلين قدرة على التأثير في مصالح اقتصادية تتجاوز حجمهم العسكري أو الاقتصادي. فالتأثير في نقطة اختناق بحرية قد يفرض تكاليف واسعة على أطراف متعددة، ويضع أمن الملاحة ضمن حسابات الصراع السياسي والعسكري.
غير أن هذه القدرة ليست مطلقة؛ إذ إن توظيف الممرات البحرية للضغط قد يؤدي إلى ردود فعل إقليمية ودولية، ويزيد من احتمالات المواجهة، ويضاعف الأعباء الاقتصادية على الدول والشركات التي تعتمد على هذا المسار. ولذلك، فإن تحويل الموقع إلى أداة ضغط لا يعني بالضرورة القدرة على التحكم في نتائج التصعيد أو تحديد نهايته.
وتزداد أهمية باب المندب في ظل التداخل بين الصراع اليمني والتنافس الإقليمي على النفوذ في محيط البحر الأحمر. فاستقرار الملاحة لا يتوقف على سلامة الممر المائي وحده، وإنما يرتبط كذلك بالأوضاع الأمنية والسياسية على امتداد السواحل المقابلة له، وبقدرة الدول المعنية على الحد من الأنشطة التي تهدد حرية العبور.
ومن ثم، فإن أمن المضيق يتطلب مقاربة تتجاوز الإجراءات البحرية المباشرة إلى معالجة مصادر عدم الاستقرار، وتعزيز التنسيق بين الدول المشاطئة، والحفاظ على قواعد القانون الدولي وحرية الملاحة.
ثالثًا: انعكاسات التحولات الإقليمية على الأمن القومي المصري
تتحدد أهمية هذه التطورات بالنسبة إلى مصر من خلال ارتباط أمن البحر الأحمر بقناة السويس، وبالمصالح الاقتصادية والتجارية للدولة، وبمكانتها الاستراتيجية في شبكة الممرات البحرية الدولية.
ويتمثل البعد الأول في التأثير الاقتصادي. فاضطراب الملاحة في البحر الأحمر قد يدفع السفن إلى استخدام طرق بديلة أطول، بما يزيد زمن الرحلات وتكاليف الوقود والتأمين، ويؤثر في كفاءة سلاسل الإمداد العالمية. وبالنسبة إلى مصر، فإن استمرار هذه الاضطرابات قد ينعكس على حركة العبور بقناة السويس وإيراداتها، فضلًا عن القطاعات المرتبطة بالنقل البحري والخدمات اللوجستية والموانئ.
لكن العلاقة بين التوترات الإقليمية والإيرادات المصرية ليست علاقة آلية أو ثابتة؛ إذ تتوقف النتائج على مدة الاضطراب وشدته، ومدى استجابة شركات الملاحة، والظروف الاقتصادية الدولية، وقدرة القناة على استعادة حركة العبور الطبيعية. ولذلك، فإن التحدي لا يكمن في التعامل مع التأثيرات الآنية فقط، وإنما في بناء قدرة اقتصادية ومؤسسية على امتصاص الصدمات المتكررة.
أما البعد الثاني فيتعلق بأمن البحر الأحمر بوصفه مجالًا استراتيجيًا متكاملًا. فالمخاطر التي تتشكل في جنوب البحر الأحمر أو في محيط خليج عدن قد تمتد آثارها إلى شماله، وهو ما يجعل أمن الملاحة مسؤولية تتطلب التنسيق بين الدول المعنية، وتبادل المعلومات، وتطوير آليات الاستجابة للأزمات.
ويبرز البعد الثالث في تشابك الملفات الأمنية المحيطة بمصر. فالأوضاع في اليمن، والأزمة السودانية، والتحديات التي تواجه دول القرن الإفريقي، تمثل مسارات مختلفة، لكنها قد تتقاطع في تأثيراتها على الاستقرار الإقليمي وحركة التجارة وتوازنات القوى. ولا يعني ذلك وجود علاقة سببية مباشرة بين جميع هذه الأزمات، وإنما يشير إلى أن التعامل معها يحتاج إلى رؤية تراعي الروابط المحتملة بينها دون المبالغة في تفسيرها.
ومن هنا، فإن حماية الأمن القومي المصري تتطلب الانتقال من التعامل مع كل أزمة باعتبارها ملفًا مستقلًا إلى تقييم آثارها التراكمية، وتحديد نقاط التداخل التي يمكن أن تنشأ بينها، ووضع أولويات واضحة لحماية المصالح الوطنية.
رابعًا: القرن الإفريقي ومعادلة التوازن الإقليمي
لا يمكن فهم أهمية باب المندب بمعزل عن القرن الإفريقي، الذي تتقاطع فيه اعتبارات الأمن البحري والتنافس على الموانئ والمواقع الاستراتيجية، إلى جانب تحديات بناء الدولة والتنمية والاستقرار السياسي.
وتنبع أهمية الإقليم بالنسبة إلى مصر من ارتباطه بأمن البحر الأحمر، وتداخله مع ملفات السودان والصومال ودول حوض النيل، فضلًا عن اهتمام قوى إقليمية ودولية متزايدة بتوسيع حضورها الاقتصادي والأمني فيه.
وفي هذا السياق، اكتسبت العلاقات المصرية الصومالية بُعدًا استراتيجيًا واضحًا مع إعلان الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في 23 يناير 2025، بما شمل تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والأمني ودعم سيادة الصومال ووحدة أراضيه.
كما عكست القمة التشاورية التي استضافتها مدينة العلمين في 4 أكتوبر 2026، بمشاركة مصر والسودان وإريتريا والصومال، اهتمامًا بتعزيز التنسيق السياسي والاقتصادي بين الدول الأربع، والتأكيد على احترام سيادة دول المنطقة وسلامة أراضيها، ودعم مؤسساتها الوطنية، والتعامل مع الخلافات بالوسائل السياسية والسلمية.
وتكتسب هذه التحركات أهميتها من أنها تتيح للدول المعنية مباشرة بأمن المنطقة مساحة أوسع للتشاور بشأن التحديات المشتركة، بدلًا من ترك التوازنات الإقليمية تتشكل بمعزل عن مصالحها.
ومع ذلك، فإن قيمة التحركات الدبلوماسية لا تقاس بالاجتماعات والبيانات وحدها، بل بمدى قدرتها على إنتاج تعاون عملي ومستمر. ويشمل ذلك تبادل المعلومات، وتعزيز العلاقات الاقتصادية، وتطوير قدرات المؤسسات الوطنية، ودعم استقرار الدول، وفتح قنوات للحوار عند تصاعد التوترات.
كما أن المقاربة المصرية الفاعلة في القرن الإفريقي ينبغي أن تراعي خصوصية كل دولة، وألا تختزل العلاقات الإقليمية في اعتبارات أمنية ضيقة. فالتعاون الاقتصادي والتنمية وبناء الثقة تمثل عناصر مهمة في دعم الاستقرار، وتمنح الشراكات السياسية فرصًا أكبر للاستمرار والتأثير.
وبذلك، يصبح التحرك المصري في الإقليم جزءًا من رؤية أوسع لحماية المصالح الوطنية عبر بناء علاقات متوازنة، وتعزيز التعاون مع الدول المعنية، ودعم بيئة إقليمية تحترم السيادة وتحد من فرص التصعيد.
خامسًا: نحو مقاربة مصرية متعددة الأدوات
تفرض التحولات الأمنية في المنطقة ضرورة تبني مقاربة مصرية تجمع بين الاستعداد الأمني والتحرك الدبلوماسي والمرونة الاقتصادية، مع إدراك أن أي أداة منفردة لا تكفي لمواجهة تهديدات تتغير طبيعتها ومصادرها.
أولًا،تعزيز قدرات الإنذار المبكر وتبادل المعلومات بشأن المخاطر التي قد تمس الملاحة والمنشآت الحيوية، وتطوير التنسيق بين المؤسسات المعنية بالأمن البحري وإدارة الأزمات وحماية البنية التحتية. فالرصد المبكر وتقييم المخاطر يساعدان على تقليل عنصر المفاجأة وتحسين الاستجابة.
ثانيًا،توسيع التعاون مع الدول المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن، على أساس احترام السيادة والمصالح المتبادلة، والعمل على تطوير آليات مستدامة للتشاور والتنسيق بشأن أمن الملاحة. فالتعاون الإقليمي الفعال يمكن أن يحد من فرص استغلال الممرات البحرية في الصراعات، ويعزز القدرة على احتواء الأزمات قبل اتساعها.
ثالثًا،دعم الاستقرار السياسي والمؤسسي في الدول المحيطة بالممرات البحرية، من خلال التعاون الدبلوماسي والاقتصادي وبناء القدرات حيثما أمكن. فالأمن البحري يرتبط بالأوضاع على اليابسة، وأي استراتيجية تتجاهل أسباب عدم الاستقرار قد تنجح في معالجة تهديد مؤقت، لكنها تظل معرضة لعودة المخاطر في صورة جديدة.
رابعًا،تعزيز مرونة الاقتصاد المصري أمام اضطرابات التجارة الدولية، من خلال تطوير الخدمات اللوجستية، ورفع كفاءة الموانئ، وتحسين أدوات التنبؤ بالمخاطر، وإعداد سيناريوهات للتعامل مع تغير مسارات الملاحة. فالقوة الاقتصادية لا تعني القدرة على منع جميع الأزمات، بل امتلاك القدرة على الحد من آثارها والتكيف معها.
خامسًا،الحفاظ على التوازن بين الردع والدبلوماسية. فالاستعداد الدفاعي عنصر ضروري لحماية المصالح الوطنية، لكنه لا ينبغي أن يحل محل العمل السياسي أو قنوات الحوار. وكلما اتسعت فرص التواصل بين الأطراف المعنية، زادت إمكانية احتواء التصعيد ومنع تحوله إلى مواجهة إقليمية أوسع.
وأخيرًا،ينبغي أن يستند تقييم التحولات الإقليمية إلى معلومات موثوقة وفصل واضح بين الوقائع والتقديرات. فصناعة القرار الاستراتيجي تحتاج إلى قراءة واقعية للمخاطر، لا إلى افتراض أن كل تطور يمثل جزءًا من خطة واحدة أو أن كل أزمة ستؤدي بالضرورة إلى النتيجة ذاتها.
خاتمة: حماية المصالح تبدأ من فهم المجال الاستراتيجي
من مطار الرياض إلى باب المندب، تتكشف حقيقة أساسية مفادها أن الأمن القومي لم يعد قضية تُحسم داخل الحدود وحدها، بل أصبح مرتبطًا بقدرة الدولة على فهم ما يجري في محيطها، واستشراف مساراته، وبناء شبكة من الأدوات والعلاقات التي تحمي مصالحها قبل أن تتحول المخ

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *