
و .ش .ع القاهرة _ اللواء. أ.ح. سامي محمد شلتوت.
الاثنين 12اكتوبر2026 .
※الجسر الجوي الأمريكي.. طوق النجاة لإسرائيل خلال حرب أكتوبر 1973
لم تكن حرب أكتوبر 1973 مجرد مواجهة عسكرية بين القوات المسلحة المصرية و الجيش الإسرائيلي؛ بل تحولت، مع إستمرار القتال و إتساع نطاق الخسائر الإسرائيلية، إلى إختبار حقيقي لقدرة إسرائيل على الصمود أمام الهجوم المصري السوري المفاجئ، و مدى إستعداد الولايات المتحدة الأمريكية للتدخل من أجل منع حليفتها الإستراتيجية من التعرض لهزيمة عسكرية ساحقة.
※ففي الأيام الأولى للحرب، نجحت القوات المسلحة المصرية في عبور قناة السويس، و إقتحام خط بارليف، و تدمير عدد من حصونه القوية، و تحرير مواقع مهمة على الضفة الشرقية للقناة، بينما كانت القوات السورية تخوض معارك عنيفة على جبهة الجولان.
و مع إستمرار المعارك، تكبدت إسرائيل خسائر كبيرة في الدبابات و الطائرات و الأفراد، و وجدت نفسها أمام حاجة عاجلة إلى تعويض ما فقدته من أسلحة و ذخائر و معدات. و لم تعد الإمدادات الإسرائيلية الذاتية كافية لمواجهة متطلبات الحرب المتصاعدة.
في تلك اللحظة، برز الدور الأمريكي بصورة حاسمة، و بدأت واشنطن التحرك لتوفير شحنات ضخمة من الأسلحة و المعدات، في واحدة من أكبر عمليات النقل الجوي العسكري التي شهدها التاريخ الحديث.
• أولًا: نداء الإستغاثة و التحرك الأمريكي...
أدركت رئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير خطورة الموقف، وسعت إلى الحصول على دعم أمريكي عاجل. و تروي مذكراتها أنها أجرت إتصالات متكررة بالمسؤولين الأمريكيين، مطالبة بتسريع إرسال الإمدادات، في وقت كانت فيه الخسائر الإسرائيلية تتزايد و الإحتياجات العسكرية تتصاعد.
و لم يكن الأمر مجرد تقديم مساعدات عسكرية إعتيادية؛ فقد إتخذت إدارة الرئيس الأمريكي «ريتشارد نيكسون» قرارًا بتسخير قدرات النقل الجوي العسكري الأمريكي لتلبية إحتياجات إسرائيل من الأسلحة و الذخائر و المعدات.
و في الثاني عشر من أكتوبر 1973، إتخذ نيكسون قرارًا حاسمًا بالمضي في الجسر الجوي الأمريكي، بعد أن واجهت محاولات الإعتماد على وسائل النقل التجارية عقبات و مخاوف سياسية و إقتصادية، من بينها خشية بعض شركات الطيران من التعرض للمقاطعة العربية.
و هكذا إنتقلت الولايات المتحدة الأمريكية من مرحلة البحث عن وسائل لتقديم الإمدادات إلى مرحلة النقل العسكري المباشر و المنظم، لتبدأ عملية عُرفت باسم «عشب النيكل» (Operation Nickel Grass).
• ثانيًا: عملية «عشب النيكل».. جسر جوي لإنقاذ الموقف الإسرائيلي..
بدأ الجسر الجوي الأمريكي الوصول إلى إسرائيل في الرابع عشر من أكتوبر 1973، و إستمر حتى الرابع عشر من نوفمبر من العام نفسه.
و إعتمدت العملية أساسًا على طائرات النقل العسكري الأمريكية العملاقة من طرازي:
- «C-5 Galaxy»: طائرة نقل إستراتيجية ضخمة، قادرة على نقل الدبابات والمدافع والمعدات العسكرية كبيرة الحجم.
-« C-141 Starlifter»: طائرة نقل عسكري إستراتيجية إستُخدمت لنقل الذخائر و المعدات و الإمدادات المختلفة.
و وفقًا للسجلات التاريخية للقوات الجوية الأمريكية، نُفذت العملية خلال «32» يومًا، و شملت «567» مهمة نقل جوي، نقلت خلالها أكثر من «22.3» ألف طن من المعدات و الإمدادات العسكرية إلى إسرائيل. و تختلف بعض المراجع قليلًا في تحديد إجمالي الحمولة، تبعًا للسجلات و طريقة إحتساب الشحنات.
و شملت الشحنات دبابات و مدافع و ذخائر و معدات عسكرية متنوعة، فضلًا عن مكونات و معدات مرتبطة بالطائرات و أنظمة التسليح.
و لم تكن أهمية هذه العملية في حجم ما نُقل فقط، بل في سرعة وصول الإمدادات إلى دولة تخوض حربًا فعلية على جبهتين، و تحتاج إلى تعويض خسائرها في وقت بالغ الحساسية.
و قد وفرت العملية لإسرائيل قدرة أكبر على مواصلة القتال، و أسهمت في إعادة بناء جانب من قدراتها العسكرية خلال الحرب.
• ثالثًا: كيف وصلت الإمدادات الأمريكية إلى إسرائيل؟..
لم يكن نقل هذه الكميات الضخمة أمرًا بسيطًا؛ فقد واجهت الطائرات الأمريكية صعوبات سياسية ووجغرافية تتعلق بالحصول على حقوق المرور و الهبوط و التزود بالوقود.
و كانت قاعدة «لاجيس» في جزر «الأزور» البرتغالية محطة رئيسية في مسار الطائرات الأمريكية المتجهة إلى إسرائيل، بعدما إمتنعت دول أوروبية عن السماح بإستخدام أراضيها أو قواعدها لهذه المهمة.
و إنطلقت الطائرات من قواعد أمريكية متعددة، ثم إتجهت عبر المحيط الأطلسي إلى «جزر الأزور»، و منها عبر مسارات جوية فوق البحر المتوسط إلى مطار «اللد» في إسرائيل، الذي يُعرف اليوم بمطار «بن غوريون».
و قد أسهم هذا التنظيم في إستمرار تدفق الإمدادات، رغم طول المسافات و تعقيدات النقل و الظروف السياسية المحيطة بالحرب.
و كانت سرعة تفريغ الطائرات و نقل الشحنات إلى الوحدات العسكرية الإسرائيلية عنصرًا بالغ الأهمية؛ إذ لم تكن الأسلحة تصل إلى المخازن لتبقى فيها، بل كان جانب من الإمدادات يُنقل إلى الجبهات لتلبية الإحتياجات العملياتية العاجلة.
• رابعًا: ماذا تقول المصادر العسكرية عن أهمية الجسر الجوي؟...
تشير الدراسات التاريخية الأمريكية إلى أن عملية «عشب النيكل» مثلت إنجازًا لوجستيًا مهمًا، و أثبتت قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على نقل المعدات العسكرية الثقيلة لمسافات بعيدة خلال حرب قائمة.
وكانت طائرات «C-5 Galaxy» ذات أهمية خاصة، لقدرتها على نقل معدات لا تستطيع طائرات النقل الأصغر إستيعابها بالكفاءة نفسها، و من بينها الدبابات و المدافع الثقيلة و مكونات الطائرات.
كما أسهمت العملية في تقليل آثار النقص الذي عانت منه القوات الإسرائيلية في الذخائر و المعدات، و منحتها دعمًا ماديًا مهمًا في مرحلة كانت فيها نتائج الحرب لا تزال موضع صراع على الجبهتين المصرية و السورية.
※و هنا ينبغي التمييز بين حقيقتين تاريخيتين:
•الأولى: أن الجسر الجوي الأمريكي كان دعمًا عسكريًا واسع النطاق...
•الثانية: أن تأثيره لا يعني أن نتيجة الحرب حُسمت بمجرد وصول الإمدادات؛ فقد ظلت العمليات العسكرية على الأرض، و القرارات القيادية، و مواقف القوات المتحاربة، عوامل رئيسية في تحديد مسار الحرب.
※هل إقتصر الدعم الأمريكي على الجسر الجوي؟..
لم يقتصر الدعم الأمريكي على النقل الجوي؛ فقد شمل أيضًا تعويض جانب من الخسائر في المعدات، و توفير أسلحة وذخائر و إمدادات عسكرية ساعدت إسرائيل على مواصلة القتال.
وتوضح المصادر العسكرية أن عملية «عشب النيكل» كانت جزءًا من إستجابة أمريكية أوسع لمتطلبات الحرب، في ظل سباق الإمدادات بين الولايات المتحدة الأمريكية و الإتحاد السوفيتي، الذي كان بدوره يمد مصر و سوريا بالسلاح والمعدات.
و بذلك أصبحت حرب أكتوبر، إلى جانب كونها مواجهة عربية إسرائيلية، ساحة تنافس دولي على الإمداد العسكري و التأثير الإستراتيجي.
و من المهم، عند تناول هذه المرحلة، التمييز بين نقل الأسلحة الأمريكية إلى إسرائيل و بين المشاركة المباشرة للقوات الأمريكية في القتال. فوجود الجسر الجوي و تقديم المعدات أمران موثقان، و هناك معلومات بمشاركة طيارين أمريكيين في المعارك مرتدين الزي الإسرائيلي، و إن جنودًا أمريكيين تولوا تشغيل الأسلحة داخل الوحدات الإسرائيلية
※ماذا تعني هذه الحقائق بالنسبة إلى الإنجاز المصري؟...
إن إدراك حجم الدعم الأمريكي لإسرائيل يساعد على فهم طبيعة الظروف التي خاضت فيها القوات المسلحة المصرية معارك أكتوبر 1973.
فقد واجهت مصر جيشًا إسرائيليًا حصل على إمدادات عسكرية ضخمة من الولايات المتحدة الأمريكية، في وقت كانت فيه القوات المصرية تحاول تثبيت رؤوس الكباري شرق القناة، و توسيع نطاق السيطرة على المواقع المحررة، ومواجهة محاولات العدو إستعادة زمام المبادرة.
و مع ذلك، فإن القوات المسلحة المصرية حققت إنجازًا عسكريًا تاريخيًا بعبور قناة السويس، و إقتحام خط بارليف، و تحطيم الأسطورة التي روجت لها إسرائيل عن إستحالة عبور القناة أو إقتحام تحصيناتها.
※لقد أثبت الجندي المصري أن التدريب و التخطيط و الإرادة و القدرة على تنفيذ المهام يمكن أن تغير موازين المعركة، و أن التفوق في بعض أنواع السلاح لا يضمن وحده النصر.
كما أن إستمرار القتال، و ما صاحبه من خسائر و تغيرات في الموقف العملياتي، يفرض علينا قراءة الحرب قراءة عسكرية موضوعية، لا تختزلها في حدث واحد أو تتجاهل ما شهدته مراحلها المختلفة من نجاحات و تحديات.
※هل ألغى الجسر الجوي الأمريكي قيمة الانتصار المصري؟
الإجابة الواضحة هي« لا» بل زاد من قيمة الإنتصار المصري..
إن الدعم الأمريكي الواسع لإسرائيل لا ينتقص من حقيقة الإنجاز الذي حققته القوات المسلحة المصرية في السادس من أكتوبر و ما تلاه من عمليات عبور و إقتحام و تحرير للمواقع و التحصينات.
و في المقابل، فإن التقييم التاريخي الدقيق يقتضي عدم تجاهل تطورات المعارك اللاحقة، بما فيها الثغرة التي حدثت غرب القناة، وما ترتب عليها من أوضاع عسكرية وسياسية معقدة.
فالحروب لا تُقاس بالشعارات وحدها، و إنما بما تحقق من أهداف، و بالنتائج العسكرية و الإستراتيجية، و بما أحدثته من تغيير في موازين القوى و مسار الصراع.
※فقد إنتهت الحرب إلى واقع جديد لم يعد ممكنًا معه تجاهل قدرة القوات المسلحة المصرية على خوض حرب واسعة، أو التعامل مع خط بارليف بإعتباره حصنًا يستحيل إقتحامه.
كما فتحت الحرب الطريق أمام تحولات سياسية و إستراتيجية كبيرة، و أكدت أن إستعادة الحقوق و الأراضي لا تتوقف على التفوق المادي وحده، بل تتأثر أيضًا بالإرادة السياسية و القدرة العسكرية و حسابات القوى الدولية.
※※الخاتمة....
أكتوبر.. إرادة وطن في مواجهة التحديات..
إن الجسر الجوي الأمريكي إلى إسرائيل في حرب أكتوبر 1973 حقيقة تاريخية موثقة، و هو شاهد على حجم الدعم الذي قدمته واشنطن لحليفتها في واحدة من أخطر الحروب التي شهدتها المنطقة.
لكن هذه الحقيقة لا تلغي ما حققته القوات المسلحة المصرية من إنجازات عسكرية في عبور قناة السويس و إقتحام خط بارليف و تحرير مواقع مهمة على الضفة الشرقية.
لقد خاضت مصر معركة صعبة في ظروف إقليمية و دولية معقدة، و واجهت جيشًا مدعومًا من قوة عظمى، و إستطاعت أن تفرض واقعًا جديدًا غيّر حسابات المنطقة و فتح الباب أمام مرحلة مختلفة من تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.
و من هنا، فإن الدفاع عن حقيقة نصر أكتوبر لا يحتاج إلى المبالغة أو الإستناد إلى روايات غير موثقة؛ فالأحداث العسكرية الثابتة، و الوثائق، و شهادات المشاركين، كافية لإبراز عظمة ما تحقق، و إظهار ما بذله أبناء القوات المسلحة المصرية من تضحيات وبطولات.
※عاشت مصر حرة أبية، عصية على كل غادر، وحفظ الله جيشها و شعبها، و أبطال ظلها... و رحم شهداءها الأبرار، و صان ترابها الوطني من كل سوء .

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *