
و.ش.ع عدن۔ أ د عمر علي الهراش
الاحد 31مايو 2026
هذا السؤال هو الجرح المفتوح في جسد التاريخ والجغرافيا العربية، وهو التساؤل الأبرز الذي يشغل بال كل متابع، ومفكر، وصانع قرار في منطقتنا.
إذا أردنا قراءة المشهد بعينٍ فاحصة وموضوعية، بعيداً عن العواطف أو التفاؤل المفرط، يمكننا القول إن الشرق الأوسط يعيش حالة "غليان مستمر مدفوع ببنية صراع معقدة"، ولكن الإجابة على سؤالك تتأرجح بين قراءتين: المنظور القريب (الواقع الحالي)، والمنظور البعيد (المستقبل الحتمي).
أولاً: المنظور القريب والمستمر (لماذا الصفيح ساخن؟)
في المدى المنظور، تشير المعطيات السياسية والعسكرية إلى أن المنطقة ستبقى تعاني من الأزمات المتلاحقة نتيجة لعدة عوامل بنيوية لم تُحل بعد:
صراع الخرائط والنفوذ: المنطقة لم تعد ساحة لصراع حدود تقليدي بين دول، بل تحولت إلى مسرح لإعادة رسم جغرافيا النفوذ والسيطرة. هناك صراع محاور إقليمية ودولية (أمريكا، روسيا، الصين، إيران، والقوى الإقليمية الكبرى) يتنافسون على الممرات المائية الحيوية، وأمن الطاقة، ومراكز القرار السياسي.
تشابك الجبهات وغياب المسافات: في السابق، كان يمكن عزل صراع ما في بقعة جغرافية معينة. اليوم، أي اشتعال في جبهة (سواء في فلسطين، لبنان، اليمن، أو سوريا) سرعان ما يرتد سياسياً وأمنياً واقتصادياً على الإقليم بأكمله، مما يجعل "التهدئة المؤقتة" مجرد استراحة محارب وليست استقراراً.
غياب العدالة الاستراتيجية: سيبقى الصفيح ساخناً ما دامت القضية الفلسطينية بلا حل عادل وشامل، وما دامت التدخلات الخارجية قادرة على تحريك الأوراق المحلية عبر "الوكلاء" والميليشيات، حيث تُستغل ثروات المنطقة وجغرافيتها كأدوات ردع ومساومة في لعبة الأمم.
ثانياً: المنظور البعيد (هل يستقر يوماً ما؟)
القول بأن الشرق الأوسط "محكوم عليه بالخراب الأبدي" هو مغالطة تاريخية؛ فالتاريخ يعلمنا أن أشد الأقاليم صراعاً استقرت في النهاية (أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية كمثال). استقرار الشرق الأوسط ممكن، ولكنه مشروط بتحولات كبرى:
التحول من "صراع السلاح" إلى "توازن المصالح والاقتصاد": بدأنا نرى بوادر نموذج جديد تقوده بعض الدول الإقليمية (مثل دول الخليج) يعتمد على النفوذ الاقتصادي، الاستثمارات الضخمة، والربط التجاري عبر ممرات دولية. عندما تصبح لغة المصالح المشتركة والازدهار الاقتصادي أثمن من تكلفة الحروب، سيبدأ الصفيح بالبرود تدريجياً.
استعادة القرار العربي الموحد: الاستقرار يبدأ عندما يمتلك أبناء المنطقة القدرة على صياغة مشروعهم الأمني والسياسي الخاص، بعيداً عن الإملاءات الخارجية أو الصفقات الدولية التي تُحاك في العواصم الغربية أو الآسيوية.
بناء الدولة الوطنية المستقرة: لن تستقر المنطقة إلا إذا استعادت الدول المخترقة سيادتها كاملة، وتحولت من ساحات تصفية حسابات إلى دول قانون ومؤسسات ترعى شعوبها.
خلاصة القول:
الشرق الأوسط سيبقى على صفيح ساخن في المستقبل القريب؛ لأن حرارة التأزم وضغط الصراعات الحالية لا تزال في ذروتها، والمنطقة تمر بمرحلة "مخاض قسري" لإعادة تشكيل التحالفات وقواعد الاشتباك.
أما الاستقرار فليس مستحيلاً، ولكنه لن يأتي بـ "معجزة" أو بـ "حسن نوايا" دولية، بل سيتحقق يوم تفقد القوى المتصارعة قدرتها على الاستمرار في الاستنزاف، ويوم يدرك الجميع أن الاستقرار هو السبيل الوحيد للبقاء وحفظ الإنسان والثروة.
برأيك، كإعلامي ومتابع، هل ترى أن الانفتاح الاقتصادي وبناء ممرات التجارة الجديدة في المنطقة يمكن أن يكون بديلًا حقيقيًا يطفئ نيران الصراعات السياسية والعسكرية الحالية؟
بقلم أ د عمر علي الهراش

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *