وكالة أنباء الشرق العربي - و.ش.ع

Header
collapse
الرئيسية / مــقالات / التختروان… حين كان الزواج فرحة لا تُرهق القلوب

التختروان… حين كان الزواج فرحة لا تُرهق القلوب

أبريل 20, 2026  جبهان حسن 143 views
التختروان… حين كان الزواج فرحة لا تُرهق القلوب

و.ش.ع       القاهرة ۔ حسين السمنودي

لم يكن “التختروان” مجرد وسيلة تُحمل عليها العروس يوم زفافها، بل كان مشهدًا كاملًا يلخّص فلسفة مجتمع بأكمله؛ مجتمع يعرف قيمة البساطة، ويؤمن أن الزواج بداية حياة لا بداية ديون، وأن الفرح يُصنع بالرضا لا بالمظاهر. كانت العروس تُزف على أكتاف أهلها وجيرانها، في لحظة إنسانية خالصة، تختلط فيها الزغاريد بالدعوات، والفرح الصادق بطمأنينة القلوب.
في ذلك الزمن، كان الطريق إلى الزواج واضحًا وبسيطًا. شاب يبحث عن شريكة حياة، لا عن صفقة مُعقدة، وأهل ينظرون إلى الخُلق قبل الإمكانيات، وإلى النية قبل الرصيد. لم تكن هناك قوائم تُرهق، ولا شروط تُعجز، ولا سباق محموم نحو تقليد الآخرين. كان المهر رمزًا، والشبكة بركة، والتجهيزات في حدود الحاجة لا الاستعراض.
كانت الخطبة بداية التعارف الحقيقي، لا ساحة للتفاخر. يجلس الأهل في بساطة، تُحسم الأمور بالكلمة، ويُبنى الاتفاق على الثقة. لم تكن هناك فواتير مفتوحة، ولا اشتراطات تُكتب وكأنها عقود تجارية. كان السؤال الأهم: “هل هذا الشاب يُصان؟ وهل هذه الفتاة تُحفظ؟” فإذا كانت الإجابة نعم، سارت الأمور في طريقها الطبيعي.
ثم يأتي يوم الزفاف… يوم لا يُنسى، لا بسبب تكلفته، بل بسبب صدقه. “التختروان” يتقدّم المشهد، والعروس تبتسم في حيائها، والأهل يفرحون بقلوبهم قبل أعينهم. لا قاعات فارهة، ولا إضاءة مُبهرة، ولا كاميرات تُلاحق كل تفصيلة. كان الفرح يُرى في الوجوه، لا في الديكورات، ويُحس في القلوب، لا في عدسات التصوير.
أما اليوم، فقد تغيّر المشهد جذريًا. لم يعد الزواج بداية سهلة، بل صار معركة حسابات. الشاب يُفكر ألف مرة قبل أن يُقدم، لا لأنه يخشى المسؤولية، بل لأنه يخشى التكلفة. قائمة لا تنتهي من الطلبات، شبكة تُقاس بالجرامات، مهر يُحدد بقيمة المجتمع لا بقدرة الإنسان، وفرح يتحول إلى مشروع استثماري يستنزف كل ما يملك.
أصبحت الخطبة اليوم موسمًا للمقارنات، والاتفاقات جلسات تفاوض، وكأننا أمام صفقة تجارية لا علاقة لها بالمودة والرحمة. يُسأل الشاب: ماذا تملك؟ وليس: من أنت؟ وتُسأل الفتاة: ماذا ستحصل؟ وليس: ماذا ستبني؟
ثم يأتي الزفاف… ذلك اليوم الذي كان رمزًا للفرح، فتحوّل عند كثيرين إلى عبء ثقيل. قاعات أفراح باهظة، فساتين تُستأجر بمبالغ طائلة، تجهيزات تفوق الحاجة، ومظاهر لا تعكس حقيقة الحياة التي ستبدأ في اليوم التالي. ينتهي الحفل، وتبدأ رحلة سداد الديون، وكأن الفرح كان مجرد استعراض مؤقت، ثمنه سنوات من الضغط.
والأخطر من ذلك، أن هذه البداية المُرهقة تنعكس على ما بعد الزواج. حين يبدأ البيت على توتر مالي، وضغط نفسي، وتوقعات مبالغ فيها، يصبح الاستقرار مُهددًا. نرى زيجات تنهار سريعًا، ليس لأن الحب غاب، بل لأن الأساس كان مُثقلًا بما لا يُحتمل.
لقد فقدنا في زحام المظاهر جوهر الزواج. لم يعد الهدف بناء أسرة، بل إبهار الناس. ولم تعد القيمة في الاستمرار، بل في “شكل البداية”. ومع كل هذا، نتساءل: لماذا زادت نسب الطلاق؟ ولماذا أصبح الزواج مُخيفًا للشباب؟
الحنين إلى “التختروان” ليس حنينًا إلى قطعة خشب، بل إلى زمن كانت فيه القيم أبسط، والقلوب أصدق، والتوقعات أقرب إلى الواقع. هو حنين إلى مجتمع كان يُيسّر ولا يُعسّر، يُعين ولا يُثقل، يُبارك ولا يُقارن.
لسنا بحاجة إلى أن نعود إلى الماضي بحذافيره، لكننا في حاجة إلى أن نستعيد روحه. أن نُعيد النظر في مفاهيمنا، وأن نُخفف عن كاهل الشباب، وأن نُدرك أن الزواج الناجح لا يُقاس بحجم الإنفاق، بل بقدرة الطرفين على التفاهم والصبر والمودة.
إن الإصلاح يبدأ من الأسرة، من الأب الذي يُيسر، ومن الأم التي تُقدّر، ومن المجتمع الذي يكف عن الضغط والمقارنة. يبدأ من إعلام يُوعي، لا يُجمّل الزائف، ومن نماذج ناجحة تُثبت أن البساطة لا تعني الفشل، بل قد تكون طريقًا للنجاح الحقيقي.
وإذا أردنا أن نكون صادقين مع أنفسنا، فعلينا أن نعترف بأن المبالغة في المهور وتكاليف الزواج لم تعد مجرد عادة اجتماعية ثقيلة، بل تحولت إلى معول هدم يضرب في صميم القيم، ويُربك ميزان الأخلاق. حين يُرهق الشاب قبل أن يبدأ حياته، ويُدفع إلى الاستدانة أو المجاملة على حساب قدرته، تتسلل إلى النفوس معانٍ خطيرة: يتحول الزواج من ميثاق إلى عبء، ومن مسؤولية إلى ضغط، ومن حلم إلى قلق دائم. وهنا تبدأ الانكسارات الصغيرة التي تتراكم حتى تصنع شرخًا كبيرًا داخل البيت.
لقد أفرزت هذه المبالغات واقعًا مؤلمًا؛ فبدلًا من أن يكون الزواج بابًا للعفاف والاستقرار، أصبح في بعض الأحيان بابًا للديون والتوتر، وربما دفع البعض إلى طرق ملتوية أو تنازلات غير مقبولة هربًا من ضغط التكاليف. ومع أول اختبار حقيقي للحياة، تظهر الهشاشة، وتنكشف حقيقة أن ما بُني على التكلّف لا يصمد طويلًا. ومن هنا نفهم لماذا تتزايد حالات الطلاق، ليس فقط لغياب الحب، بل لأن البداية نفسها كانت مثقلة بما يفوق الاحتمال.
إن أخطر ما في الأمر ليس ارتفاع الأرقام، بل تغيّر الفكرة ذاتها؛ حين يُقاس الزواج بما يُدفع فيه لا بما يُبنى عليه، وحين تصبح الكرامة مرهونة بقدرة الشاب على الإنفاق، لا بقدرته على الاحتواء والالتزام. هذه المعادلة المختلة تُفسد النفوس قبل أن تُفسد البيوت، وتخلق توقعات غير واقعية، تُحوّل الحياة الزوجية إلى ساحة صراع بدل أن تكون سكنًا وطمأنينة.
أما الوقاية، فهي ممكنة إذا توفرت النية الصادقة والإرادة المجتمعية. تبدأ من الأسرة التي تُدرك أن تيسير الزواج ليس تفضّلًا، بل واجب، وأن المغالاة لا ترفع من قدر ابنتها، بل قد تُثقِل مستقبلها. تبدأ من الآباء الذين يضعون الخُلق والدين معيارًا، لا حجم الشبكة ولا عدد القوائم. وتبدأ من الأمهات اللاتي يُربين بناتهن على القناعة لا المقارنة، وعلى بناء بيت لا استعراضه.
كما أن للشباب دورًا لا يقل أهمية؛ أن يكون صادقًا في إمكانياته، واضحًا في التزاماته، وألا يُجامل على حساب مستقبله. فالوضوح من البداية يُنقذ كثيرًا من الخلافات لاحقًا. وللمجتمع كذلك مسؤوليته في كسر دوائر التفاخر، والتوقف عن قياس النجاح بحجم الإنفاق في ليلة واحدة، بل بقدرة الزوجين على الاستمرار بكرامة واستقرار.
ولا يمكن إغفال دور المؤسسات الدينية والإعلامية في إعادة تصحيح المفاهيم، والتأكيد على أن البركة في التيسير، وأن أفضل الزيجات ما قامت على الاعتدال لا المغالاة. نحن بحاجة إلى خطاب يعيد الاعتبار للمعنى، ويُذكّر الناس بأن الزواج سكن ورحمة، لا ساحة منافسة.
إن استعادة روح “التختروان” ليست دعوة للعودة إلى الماضي، بل نداء لإحياء البساطة التي تحفظ الكرامة، وتُعين على الاستمرار. فإذا نجحنا في إعادة التوازن، وخفّفنا الأعباء، وأعدنا تعريف النجاح الزوجي، سنجد أن كثيرًا من البيوت قد استعادت دفئها، وأن الطريق إلى الزواج لم يعد مُخيفًا كما كان.
وفي النهاية، يبقى القرار بأيدينا: إما أن نستمر في دوامة المبالغة التي تُنهك القلوب وتُفسد البيوت، أو أن نختار طريق التيسير الذي يُعيد للزواج معناه الحقيقي… بداية حياة، لا بداية معاناة.


Share:

Leave a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Your experience on this site will be improved by allowing cookies Cookie Policy