10 watching nowالرئيسية / دين ودنيا / آفة تجمع بين الجهل بالدين والجرأة على الله

آفة تجمع بين الجهل بالدين والجرأة على الله

09-06-2026 7:38 م  وكالة انباء الشرق العربي 418 views
آفة تجمع بين الجهل بالدين والجرأة على الله

و.ش.ع  القاهرة  ۔ أ د . أشرف سمير الحواط
الثلاثاء  09 يونيو 2026           
المحراب مقام هيبة وخشية، كان يرتجف منه كبار الصحابة والتابعين إجلالًا لله وعِظمًا للمسؤولية، والجرأة عليه بغير علم ليست شجاعة بل هي جهل فاضح، وعلى من يجد في نفسه عدم الأهلية أن يتأخر ويقدّم من هو أولى منه؛ فالسلامة في العبادة لا يعدلها شيء، ورحم الله امرؤ عرف قدر نفسه فوقف عنده.
مأساة حقيقية في مساجدنا نعاني من جرأة وإقبال الكثيرين على إمامة المصلين دون أن تتوافر فيهم شروط الإمامة المنصوص عليها في السنة النبوية والواردة في كتب أهل الفقه وقال سفيان الثوري رحمه الله أحد كبار أئمة السلف :
"إذا رأيتم الرجل يحرص على أن يؤم الناس في الصلاة فأخروه"
المعنى المقصود : أنّ من يظهر حرصًا شديدًا على التقدّم للإمامة وطلبها بنفسه، فهذا غالبًا قد دخله حب الرياسة أو الرغبة في الظهور، والإمامة في الصلاة منزلة شريفة لا ينبغي أن يتولاها من يطلبها لنفسه أما الذي يُقدَّم من الناس لما عُرف عنه من علم وديانة وقراءة للقرآن، فهذا محمود..
ومن هانت عليه الصلاة واستخف بشروطها، سيهون عليه الفتيا والتحدث في الدين بغير علم، وهي بداية الانحراف الفكري والشرعي، وتتعدد صور التجرؤ على المحراب ممن لا يحسنونه، ومن أبرزها:
•    الجهل بأحكام الصلاة: كمن لا يعرف كيف يسجد للسهو، أو ماذا يفعل إذا بطلت طهارته أثناء الصلاة، أو كيف يستخلف غيره.
•    اللحن الجلي في القرآن: ونقصد به الخطأ الذي يغيّر المعنى في الفاتحة (مثل قراءة "أنعمتُ" بضم التاء أو كسرها)، وهو ما قد يبطل الصلاة عند جماهير الفقهاء.
•    تقديم حب الرئاسة على التقوى: حرص البعض على التصدر والوجاهة الاجتماعية، فيسارع للمحراب دفعًا للظهور، متغافلًا عن الوعيد الشرعي.
الإمامة مسئولية عظيمة سيسأل عنها المرء يوم القيامة ولو علم ما فيها ما تقدم إليها, ولفرّ منها طالما أنه ليس أهلاً لها بل إن من هو أهل لها ومن هو أعظم قدرًا وأجل منزلة كالصحابة والصالحين من بعدهم كانوا يفرون من الإمامة ويخافون من تحمل مسئولياتها علي الرغم من أهليتهم لها. وهذا يدل علي عظم شأن الإمامة, وخطرها علي من استهان بأمرها.
الإمام ليس مجرد قارئ يصطف خلفه الناس، بل هو ضامن لصلاتهم ومسئول عنها. وقد ورد في الحديث الشريف عن النبي ﷺ أنه قال : "  الإِمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ " صحيح أبي داود ((517
فإذا كان الإمام ضامنًا، فإن أي خلل في صلاته بسبب جهله بأركانها، أو شروطها، أو مبطلاتها، قد يعود أثره على المأمومين. والتجرؤ على هذا المقام دون فقه أو أهلية يعد مخاطرة بعبادات عباد الله، وهو نوع من الأمانة التي ضُيعت إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله.

علماء الدين يؤكدون أن هناك ضوابط وشروطا لهذه الإمامة حتي لا تبطل الصلاة, ومن يتجرأ علي أن يؤم المصلين في المصالح الحكومية, أو في أي مصلي, أو هذه الزوايا, لابد أن يكون قدوة للناس حافظًا للقرآن الكريم لا يكذب ولا يدلس ولا يغش, ولا يظلم, وأن يؤدي ما عليه من حق العمل, بالإضافة إلي أنه يجب أن يكون محبوبًا من المأمومين, وألا يخالف سلوكه قوله وإلا كان منافقًا, ولا تقبل صلاته.
فلا يعقل أن يؤم القوم وهو يقرأ في القرآن الكريم ما يدعو الناس إلي الالتزام بمكارم الأخلاق ثم يخالف هو ما يقرأه في صلاته،إن من أهم الصفات التي ينبغي أن يترسمها الإمام وتكون سمته الدائم أن يكون عدلاً ورعًا, والعدالة تقتضي ألا يرتكب كبيرة, ولم يلازم ارتكاب صغيرة من الصغائر, فكيف الحال حين نجد من يدفع نفسه للإمامة, وهو ممن لا يقرأ سورة الفاتحة بصورة خاطئة مع أنها ركن من أركان الصلاة أو من يحفظ قدرًا بسيطًا من القرآن وخلفه من يحفظ أكثر منه أو من لا يعرف شيئًا عن فقه الصلاة ؛فضلاً عن أحكام الصلاة ،أو الكاذبين أو المدخنين، أو ممن يتحايل علي الناس ويغشهم, أو ممن يوقع بين الناس ويفتنهم, أو ممن يظلم الناس ويسلبهم حقوقهم. فلا يصح أبدًا للإمام الراتب أن يترك مكانه لمن لا تتوافر فيه شروط العدالة, كيف ذلك والإمام الأصل فيه أن يؤتم به ويقتدي به, فهو القدوة, وسلوكه في حد ذاته دعوة, فالدعوة سلوك يفعل وليس مجرد كلمة تقال.
ولقد اختلف العلماء أيضًا في أقرؤهم هل المراد أحسنهم قراءة وإن كان أقلهم حفظًا أم أكثرهم حفظًا للقرآن ؟ والصواب أن المراد أكثرهم حفظًا لحديث عمرو بن سلمة قال: "  كُنَّا بماءٍ مَمَرَّ النَّاسِ، وكان يَمُرُّ بنا الرُّكبانُ فنَسألُهم: ما للنَّاسِ؟ ما للنَّاسِ؟ ما هذا الرَّجُلُ؟ فيَقولونَ: يَزعُمُ أنَّ اللهَ أرسَلَه، أوحى إليه -أو أوحى اللهُ بكَذا- فكُنتُ أحفَظُ ذلك الكَلامَ، وكَأنَّما يُغرى في صَدري، وكانَتِ العَرَبُ تَلَوَّمُ بإسلامِهمُ الفَتحَ، فيَقولونَ: اترُكوه وقَومَه؛ فإنَّه إن ظَهَرَ عليهم فهو نَبيٌّ صادِقٌ، فلَمَّا كانَت وقعةُ أهلِ الفَتحِ بادَرَ كُلُّ قَومٍ بإسلامِهم، وبَدَرَ أبي قَومي بإسلامِهم، فلَمَّا قدِمَ قال: جِئتُكُم واللهِ مِن عِندِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَقًّا، فقال: صَلُّوا صَلاةَ كَذا في حينِ كَذا، وصَلُّوا صَلاةَ كَذا في حينِ كَذا، فإذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فليُؤَذِّنْ أحَدُكُم، وليَؤُمَّكُم أكثَرُكُم قُرآنًا. فنَظَروا فلَم يَكُنْ أحَدٌ أكثَرَ قُرآنًا مِنِّي؛ لِما كُنتُ أتَلَقَّى مِنَ الرُّكبانِ، فقدَّموني بينَ أيديهم وأنا ابنُ سِتٍّ أو سَبعِ سِنينَ، وكانَت عليَّ بُردةٌ، كُنتُ إذا سَجَدتُ تَقَلَّصَت عَنِّي، فقالتِ امرَأةٌ مِنَ الحَيِّ: ألا تُغَطُّوا عَنَّا استَ قارِئِكُم؟ فاشتَرَوا فقَطَعوا لي قَميصًا، فما فرِحتُ بشَيءٍ فرَحي بذلك القَميصِ ". صحيح البخاري (4302)
اسْتَ قارِئِكم؟! أي: عَوْرتَه
إن التراجع عن الإمامة خوفاً من الله ورعاية لصلاة المسلمين هو عين التقوى والقربى، والاشتغال بإصلاح القراءة وتعلّم الفقه هو البداية الصحيحة لمن أراد أن يكون إماماً يُقتدى به في الخير.


Share:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *