28 watching nowالرئيسية / مــقالات / فقه الكرامة الإنسانية في ظل الهيمنة الرقمية: نحو تجديد مقاصدي

فقه الكرامة الإنسانية في ظل الهيمنة الرقمية: نحو تجديد مقاصدي

10-06-2026 12:10 ص  وكالة انباء الشرق العربي 167 views
فقه الكرامة الإنسانية في ظل الهيمنة الرقمية: نحو تجديد مقاصدي

و.ش.ع      القاهرة  ۔ دكتور إيمان إبراهيم عبد العظيم    
الاربعاء  10 يونيو 2026       

لم يشهد التاريخ البشري تحولاً في بنية الوعي والعلاقة بين الأفراد كما يشهده عصرنا الراهن؛ حيث لم تعد الشاشات مجرد نوافذ للمعلومة، بل غدت أسواراً تحدد هويتنا، وتقيس قيمتنا، وتبيع بياناتنا.  
وفي خضم هذا الزلزال التكنولوجي، يقف الفقه الإسلامي أمام مفترق طرق جوهري: هل يبقى حبيس اجتهادات: "الحلال والحرام" في التفاصيل الجزئية للأدوات، أم يرتقي ليرسم: "فلسفة الوجود الإنساني" في العالم الرقمي؟ 
إن التحدي الأخطر اليوم ليس في: "تقنية الذكاء الاصطناعي"،  أو "منصات التواصل"، بل في تقويض الكرامة الإنسانية التي جعلها الله غاية الخلق.

أصل التأصيل الشرعي: 
إن الله سبحانه وتعالى قد أسس مملكة الإنسان على أرض من التقديس، فقال: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}، [الإسراء: ٧٠]، وجعل حفظ العرض والكرامة من مقاصد الشريعة الضرورية التي لا تقوم الحياة الدينية والدنيوية إلا بها. والفقه الموروث نجح في حماية الجسد من القتل، والمال من السرقة، والعرض من القذف. لكن الفقه المعاصر مطالب اليوم بحماية "الكيان الرقمي" للإنسان من التحول إلى "سلعة" تباع وتشترى في بورصات البيانات. عندما تحول الخوارزميات الإنسان إلى مجرد "رقم تفاعل"، أو "ملف إعلاني"، فإننا أمام انتهاك صريح لـ "حرمة الآدمي" التي هي أعظم من حرمة الكعبة.

الإشكالية المعاصرة: 
تكمُن المأساة في أن العالم الرقمي يعيد صياغة "فقه الأولويات" لدى المستخدم دون أن يشعر. لقد غدا "اللايك" مقياساً للقيمة، و"المتابعة" مقياساً للوجاهة، مما أفرز أمراضاً فقهية ونفسية جديدة: من انتهاك الخصوصية بحجة الشفافية، إلى النميمة المؤسسية تحت غطاء: "كشف الحقائق"، وصولاً إلى استغلال الفطرة السليمة في إدمان المنصات.

والسؤال الفقهي الجوهري هنا: كيف نحكم على فعل مباح تقنياً (كاستخدام تطبيق) إذا كانت نتيجته المقاصدية هي: "إهانة الإنسان" وتقليص دوره؟ 
إن الفقه لا ينظر إلى الأداة بمعزل عن الغاية والأثر. فإذا كانت التقنية تسلب الإنسان حريته في الاختيار، وتنتهك خصوصيته، وتحوله إلى عبد للخوارزمية، فإنها تدخل في باب: "سد الذرائع" المؤدية إلى هضم الكرامة، وتصبح محكومة بضوابط: "المفسدة الراجحة".

نحو فقه مقاصدي رقمي: 
نحن بحاجة ماسة إلى "ميثاق فقهِي رقمي" يستند إلى قاعدة: "التيسير مع حفظ الكرامة". هذا الميثاق يجب أن ينطلق من أن البيانات الشخصية للمسلم هي جزء من "عِرضه"، وأن بيعها أو استغلالها دون علمه ودون حاجة ملحة هو نوع من أنواع: "أكل المال بالباطل" وانتهاك خصوصية العرض. 
كما يجب على فقهاء الأمة الانتقال من فتاوى "حكم التطبيق" إلى فتاوى "أثر النظام". فلا يكفي أن نسأل: هل الربا في هذه العملة الرقمية؟ بل يجب أن نسأل: هل هذا النظام المالي يحفظ كرامة الفقير أم يزيده استعباداً؟ هل هذا الذكاء الاصطناعي يخدم الإنسان أم يستبدل دوره ويهدر قيمته؟ 
إن تجديد الفقه لا يعني تغيير الثوابت، بل يعني إسقاط الثوابت على متغيرات لم تكن في الحسبان. فحفظ النفس اليوم يشمل حفظ الصحة النفسية من سموم الإعلام، وحفظ العقل يشمل حمايته من تضليل الخوارزميات، وحفظ المال يشمل حماية البيانات المالية من الاختراق والاستغلال.

أيها السادة الفقهاء، إن الدنيا قد تغيرت، والرسالة واحدة. لا ينبغي أن نترك الساحة للفلاسفة والتقنيين ليحددوا "أخلاقيات المستقبل" بعيداً عن وحي السماء. إن فقهنا غني بمقاصده، عميق بأصوله، وقادر على احتواء هذا العصر إذا أردنا له ذلك. 
دعونا نجعل من "الكرامة الإنسانية" البوصلة التي تُقاس بها كل الفتاوى المعاصرة. فكل فتوى تهين الإنسان، أو تحوله لرقم، أو تسلبه حريته باسم الدين، فهي أبعد ما تكون عن روح الشريعة. إن رسالة: " الفقه الإسلامي" في هذا الظرف التاريخي، ليست فقط توثيق الأحكام، بل قيادة النهضة الفكرية التي تعيد للإنسان مكانته وكونه "خليفة الله" في الأرض، حتى في عالمه الافتراضي. 
فلنكتب فقهًا لا يخاف الحداثة، ولا يفرط في الأصالة، فقهًا يمس الجرح قبل أن يمس السطح، فقهًا يكسر قيود الجمود، ويحرر الإنسان ليعبد ربه بحرية وكرامة، في الواقع كما في الافتراض. 
والله أعلم، وهو الهادي إلى سواء السبيل.


Share:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *