
و.ش.ع عدن ۔ أ. د. عمر علي الهراش
الاحد 24 مايو 2026
في ظل التغيرات الإقليمية المتسارعة والتحولات الجيوسياسية الحاصلة في الشرق الأوسط، لم تمت قضية إعلان الدولة الفلسطينية، بل دخلت مرحلة جديدة من إعادة التموضع والتعقيد الشديد.
بينما يرى البعض أن الأحداث المتلاحقة قد تراجع معها الاهتمام الدولي بالقضية، إلا أن الواقع يثبت أنها تظل المحور الأساسي الذي يعاد إليه دائمًا لتفكيك أزمات المنطقة.
ويمكن قراءة المشهد الحالي من خلال عدة أبعاد رئيسية:
1. محفزات بقاء القضية حية (عوامل الدفع)
الاعترافات الدولية المتصاعدة: شهدت الآونة الأخيرة تحولاً لافتاً في المواقف الأوروبية، حيث أعلنت دول مثل إسبانيا، النرويج، وإيرلندا اعترافها الرسمي بالدولة الفلسطينية. هذا الاعتراف يعطي القضية زخمًا قانونيًا وسياسيًا حاسمًا على الساحة الدولية.
الربط الإقليمي والدولي بالاستقرار: باتت القوى الكبرى والإقليمية (بما فيها الولايات المتحدة وأطراف عربية) تدرك وتؤكد علنًا أنه لا يمكن تحقيق سلام مستدام أو تكامل إقليمي حقيقي في الشرق الأوسط دون إيجاد "أفق سياسي" واضح يؤدي إلى حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية.
صمود الوعي الشعبي: على المستوى الشعبي العربي والعالمي، عادت القضية الفلسطينية لتتصدر المشهد وتصبح رمزاً تلتف حوله حركات التضامن الدولي، مما يشكل ضغطاً مستمراً على الحكومات وصناع القرار.
2. التحديات والعقبات الراهنة (عوامل التعطيل)
الواقع الميداني (الاستيطان والجدار): يستمر التوسع الاستيطاني المكثف في الضفة الغربية والقدس الشرقية، مما يمزق الجغرافيا الفلسطينية ويجعل خيار الدولة المتصلة جغرافياً وقابلة للحياة تحدياً هندسياً وسياسياً معقداً.
الانقسام السياسي الداخلي: غياب الرؤية الموحدة والقيادة المشتركة بين الفصائل الفلسطينية يضعف الموقف التفاوضي الفلسطيني أمام المجتمع الدولي ويقلل من القدرة على استثمار الفرص السياسية.
الرفض الإسرائيلي المطلق: تتبنى الحكومة الإسرائيلية الحالية توجهاً معلناً يرفض تماماً فكرة سيادة فلسطينية غرب نهر الأردن، وتعمل على الأرض لتقويض مقومات هذه الدولة.
3. السيناريوهات المستقبلية لملف الدولة
إن قضية الدولة الفلسطينية لم تمت، ولكنها تحولت من "مسار تفاوضي تقليدي" إلى "معركة اعتراف قانوني وفرض أمر واقع سياسي" على الساحة الدولية.
مستقبل هذا الإعلان يتأرجح بين ثلاثة سيناريوهات:
1/الدولة الافتراضية/القانونية
استمرار الاعترافات الدولية المتتالية بالدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة دون سيادة فعلية كاملة على الأرض (نموذج يشبه الوضع الحالي ولكن بزخم أكبر).
ضغط دبلوماسي مستمر، ووحدة فلسطينية لوضع العالم أمام التزاماته.
2/الحل الإقليمي الشامل
إدراج بند إقامة الدولة الفلسطينية كشرط أساسي وجزء من "صفقة كبرى" لإعادة ترتيب أمن المنطقة والاعتراف المتبادل.
موقف عربي موحد وحازم، وضغط أمريكي حقيقي على الجانب الإسرائيلي.
3/تلاشي حل الدولتين
تحول الصراع تدريجياً نحو خيار "الدولة الواحدة" بنظامين، مما ينقل النضال الفلسطيني من مربع "الاستقلال" إلى مربع "المطالبة بالحقوق المدنية والمساواة".
استمرار الاستيطان والقضاء الكامل على خيار الفصل الجغرافي.
خلاصة القول: التغيرات الإقليمية لم تقتل القضية، بل أعادت التذكير بأن تهميشها هو الوقود الأساسي لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط. إعلان الدولة يظل حياً كحق مشروع ومظلة سياسية، لكن تحويله إلى سيادة حقيقية على الأرض يحتاج إلى نظام إقليمي جديد وإرادة دولية تتجاوز لغة الإدانات إلى لغة الأفعال.
بقلم أ. د. عمر علي الهراش

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *