
و.ش.ع العراق۔ أ۔دكتور صالح العطوان الحيالي
الجمعة 22مايو 2026 ا
يُعدّ عثمان نوري باشا أحد أبرز القادة العسكريين في الدولة العثمانية خلال عهد السلطان عبد الحميد الثاني، وقد ارتبط اسمه بواحدة من أعظم ملاحم الصمود العسكري في القرن التاسع عشر خلال الحرب الروسية العثمانية (1877-1878)، حين وقف في وجه التوسع الروسي الذي كان يهدد بالوصول إلى البلقان ثم الزحف نحو إسطنبول نفسها.
كانت روسيا خلال تلك الحرب تخطط لاجتياح الأراضي العثمانية في أوروبا، والتقدم عبر رومانيا وبلغاريا وصولًا إلى قلب الدولة العثمانية، وكانت مدينة Pleven — أو "بليفنا" كما عُرفت عربيًا — تمثل موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، إذ إن السيطرة عليها كانت تعني فتح الطريق أمام الروس نحو الداخل العثماني.
أدرك عثمان نوري باشا خطورة الموقف مبكرًا، فأظهر عبقرية عسكرية لافتة عندما سبق القوات الروسية بخطوة جريئة، وتحرك سريعًا بقواته إلى مدينة بليفنا قبل وصول العدو، وقام بتحصينها مستفيدًا من طبيعتها الدفاعية القوية، ثم بدأ في إعداد المدينة لمعركة طويلة.
وعندما شن الروس هجومهم الأول على المدينة، فوجئوا بمقاومة شرسة لم يتوقعوها، فتمكن الجيش العثماني بقيادة عثمان نوري باشا من صد الهجوم وإلحاق خسائر فادحة بالقوات الروسية.
ولم يكتفِ بذلك، بل أمر بعد المعركة بتعزيز التحصينات بشكل أكبر، فتم حفر الخنادق، ومدّ خطوط الدفاع، وتجهيز المدينة لمواجهة هجوم جديد كان يتوقعه في أي لحظة.
وبالفعل، شن الروس هجومًا ثانيًا أكثر عنفًـ..ـا وضراوة، لكن الجيش العثماني صمد مرة أخرى ببسالة مذهلة، وتمكن من إيقاع خسائر كبيرة في صفوف الروس قُدّرت بنحو 7000 قتـ..ـيل وجريح، وهو ما أثار الذعر داخل القيادة الروسية.
بلغت الصدمة الروسية حدًا جعل القيصر يحضر بنفسه إلى ساحة المعركة للإشراف على العمليات، كما استدعت روسيا دعمًا ضخمًا من القوات الرومانية بلغ نحو 40 ألف مقاتل، لتصبح القوات المهاجمة تفوق الجيش العثماني المدافع بأضعاف.
عندها بدأ الحصار الطويل على مدينة بليفنا.
اعتمد الروس والرومانيون سياسة قاسية تقوم على قطع الإمدادات وتجويع الجنود العثمانيين وإرهاقهم حتى الاستسلام، لكن عثمان نوري باشا رفض أن يرفع الراية البيضاء.
وبدلًا من الاستسلام، وضع خطة جريئة لكسر الحصار.
وفي واحدة من أكثر لحظات المعركة إثارة، قاد بنفسه هجومًا مباغتًا على القوات الروسية، وتمكن من تحطيم مقدمة الجيش الروسي، وكاد بالفعل أن يكسر الطوق المفروض على المدينة.
لكن في اللحظات الحاسمة، تمكنت القوات الرومانية من اختراق تحصينات بليفنا واقتحام أجزاء من المدينة، فأصبح الجيش العثماني محاصرًا بين نارين.
وخلال القتال أُصيب عثمان نوري باشا بجروح خطيرة، وعندما علم الجنود بإصابته تراجعت معنوياتهم بشدة، وأصبحت المقـ..ـاومة شبه مستحيلة بعد انقطاع سبل النجاة.
حينها اضطر عثمان نوري باشا إلى الاستسلام، بعد أن قدّم واحدة من أعظم ملاحم الصمود العسكري في التاريخ الحديث.
لكن المدهش أن أعداءه أنفسهم وقفوا احترامًا له.
فقد أبدى الجنرالات الروس إعجابهم الكبير بشجاعته وعبقريته العسكرية، واستقبله القيصر الروسي بنفسه تقديرًا لصموده الأسطوري، ولم يُعامل معاملة الأسرى المهزومين، بل حظي باحترام خصومه قبل حلفائه.
عاد عثمان نوري باشا لاحقًا إلى الدولة العثمانية وظل رمزًا للشرف العسكري حتى وفاته عام 1900.
وقد أوصى قبل وفاته أن يُدفن بالقرب من ضريح السلطان (محمد الفاتح)، وبالفعل دُفن على بعد أمتار من قبر فاتح القسطنطينية.
رحل الرجل... لكن اسمه بقي خالدًا في صفحات التاريخ كأحد أعظم القادة الذين قاتلوا حتى آخر لحظة دفاعًا عن دولتهم وأمتهم.

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *