
و.ش.ع اليمن ۔ أ د عمر علي الهراش
الجمعة 12 يونيو 2026
إذا أردنا وضع النقاط على الحروف للنظر إلى هذه المسألة من زاوية استراتيجية وواقعية، نجد أننا لسنا أمام خيارين منفصلين، بل أمام معادلة تكاملية سببية. ومع ذلك، فإن الأولوية القصوى والمطلقة الآن هي تأمين الحماية الجسدية والرقمية للصحفيين في الداخل.
والسبب في هذا الترتيب المنطقي يعود لعدة ركائز أساسية:
1. الإنسان هو أصل الرسالة وباني المنصة
لا يمكن الحديث عن بناء منصات إعلامية مستقلة أو قوية إذا كان "العنصر البشري" الذي يغذي هذه المنصات بالمعلومات من الميدان مهدداً بالتغييب، أو الاعتقال، أو الملاحقة. الصحفي هو رأس المال الحقيقي للإعلام الحر؛ والمنصات بدون صحفيين آمنين ومتمكنين في الداخل ستتحول إلى قوالب تفاعلية فارغة أو منصات تعتمد على صدى الصوت من الخارج دون ملامسة حقيقية للواقع الميداني.
2. الحماية الرقمية كشرط للانتشار والتمويل
في العصر الحالي، لم تعد الحماية الرقمية مجرد رفاهية، بل هي "صمام الأمان" الذي يسمح للصحفي بالعمل والكتابة. بدون بيئة رقمية آمنة تحمي هوية الصحفي ومصادره:
لن يجرؤ أحد على تزويد المنصات بالحقائق.
ستكون المنصات المستقلة (حتى لو أُسِّست) عرضة للاختراق والإغلاق المستمر. بالتالي، فإن الحماية الرقمية هي حجر الأساس الذي تُبنى عليه موثوقية المنصة وقدرتها اللاحقة على جذب الجمهور والتمويل.
كيف يتحقق التكامل بين الأولويتين؟
رغم أن الحماية هي الأولوية القصوى عاجلاً، إلا أن الاستدامة المالية للمنصات هي الضامن لبقاء هذا التأمين آجلاً. ويمكن الربط بينهما عبر المسار التالي:
المدى القصير (الإنقاذ): التركيز الكامل على تدريب الصحفيين في الداخل على تقنيات التخفي الرقمي، والأمن السيبراني، واستخدام وسائل التواصل المشفرة، وتوفير الدعم القانوني والحقوقي السريع لهم.
المدى المتوسط (البناء): استثمار هذه الشبكة الآمنة من الصحفيين لبناء وتطوير مؤسسات إعلامية مرنة تعتمد على "اقتصاد المعرفة"، التمويل الجماعي، والزمالات الدولية، لتتحرر من مقصلة التمويل السياسي المشروط.
خلاصة: لا قيمة لمنصة غنية ومستقلة مالياً إذا كان صحفيوها في الداخل عاجزين عن الكلام أو مهددين في حريتهم وسلامتهم. الحماية أولاً، لأنها البيئة الخصبة التي ينمو فيها الإعلام المستقل ويزدهر.
بقلم أ د عمر علي الهراش

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *