
و.ش.ع العراق ۔الكتبة والاعلامية أ د وفاء الفتلاوي
في عالم تتزايد فيه المؤتمرات الدولية، وتتوالى الاتفاقيات الخاصة بحماية المرأة، لا تزال صور العنف والاستغلال والتمييز تتكرر في مختلف المجتمعات، بما فيها تلك التي تمتلك أكثر الأنظمة القانونية تطورا وهذا الواقع يفرض سؤالا جوهريا: هل تكفي القوانين وحدها لصيانة كرامة المرأة، أم أن حماية الإنسان تبدأ من منظومة قيم تسبق النصوص وتمنحها الحياة؟
لقد اختار الإسلام طريقا مختلفا في حماية المرأة فلم يبن العلاقة بينها وبين الرجل على الصراع، ولم يجعل الحقوق وسيلة لإلغاء الأدوار أو هدم الأسرة، بل أقامها على مبدأ التكامل والعدل. ولذلك جاءت النصوص القرآنية لتقرر مبدأ المساواة في الكرامة الإنسانية قبل أي حديث عن الواجبات أو الحقوق، قال تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾، فجعل التكريم أصلًا يشمل الإنسان دون تمييز.
ولم يكن هذا التكريم شعارا نظريا، بل ترجم إلى حقوق واضحة في التملك، والإرث، والتعليم، وإبداء الرأي، واختيار شريك الحياة، وصيانة الشخصية المستقلة كما جعل الإسلام الاعتداء على المرأة ظلما يأباه الشرع، وأوصى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالنساء خيرا، مؤكدا أن معيار التفاضل لا يقوم على القوة أو النوع، وإنما على الأخلاق والتقوى.
غير أن المشكلة التي نواجهها اليوم لا تكمن في تعاليم الإسلام، بل في الفجوة بين النص والتطبيق فكثير من الممارسات التي تتعرض لها المرأة باسم العادات أو الأعراف أو التفسيرات الخاطئة للدين لا تمت إلى الإسلام بصلة، بل تمثل خروجا على مقاصده التي قامت على العدل والرحمة وصيانة الكرامة الإنسانية.
وفي هذا السياق، تبرز شخصية السيدة زينب عليها السلام بوصفها واحدة من أعظم الشواهد على مكانة المرأة في الإسلام فرغم ما تعرضت له من ظلم بعد واقعة كربلاء، لم تختزل في صورة الضحية، بل وقفت أمام الطغيان بكل شجاعة، وحملت رسالة الإمام الحسين عليه السلام، وحفظت للأمة حقيقة ما جرى ولقد صنعت بالكلمة ما عجزت عنه السيوف، وأثبتت أن المرأة الواعية قادرة على حماية هوية المجتمع والدفاع عن قيمه.
إن استلهام هذه السيرة ينبغي أن يدفعنا إلى تجاوز الخطابات الإنشائية، والانتقال إلى بناء ثقافة مجتمعية تجعل احترام المرأة جزءا من التربية والتعليم والإعلام والخطاب الديني. فالقانون يعاقب المعتدي، أما القيم فتمنع نشوء الاعتداء من أساسه، وهذه هي المعادلة التي يحتاجها عالمنا اليوم.
إن تكريم المرأة في الإسلام لم يكن استجابة لضغط اجتماعي، ولا نتيجة تطور سياسي، بل كان جزءا من رسالة إلهية أرادت للإنسان أن يعيش حرا كريما، وأن تبنى الأسرة على السكينة، والمجتمع على العدل، والعلاقات على الرحمة ومن هنا فإن مواجهة العنف ضد المرأة لا تتحقق بكثرة الشعارات، بل بترسيخ تلك القيم التي تجعل كرامة المرأة من كرامة المجتمع، والاعتداء عليها اعتداءً على الضمير قبل أن يكون مخالفة للقانون.
وفي زمن تتسع فيه الفجوة بين النصوص والواقع، يبقى استحضار الرؤية الإسلامية لحقوق المرأة دعوة إلى مراجعة الذات، وإحياء منظومة أخلاقية تؤمن بأن العدالة لا تتحقق بالقوانين وحدها، وإنما بالإنسان الذي يحملها، ويؤمن بها، ويجسدها في سلوكه اليومي.

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *