21 watching nowالرئيسية / مــقالات / وربك الغفور ذو الرحمة

وربك الغفور ذو الرحمة

11-06-2026 2:21 م  وكالة انباء الشرق العربي 134 views
وربك الغفور ذو الرحمة

و.ش.ع      القاهرة ۔ حسين السمنودي
الخميس  11 يونيو 20262026    

كتب الإنسان على نفسه كثيرًا من الظلم، وأثقل كاهله بالذنوب والمعاصي، وتاه في دروب الحياة بين شهوةٍ غالبة، وغفلةٍ قاتلة، وضعفٍ بشري لا يكاد ينفك عنه أحد. ومع ذلك كله، يبقى باب من أبواب السماء مفتوحًا لا يُغلق، ونور من أنوار الرحمة لا ينطفئ، ونداء رباني يتردد عبر الزمان والمكان ليمنح الأمل لكل مذنب، ولكل عاصٍ، ولكل من أثقلته الخطايا حتى ظن أن النجاة مستحيلة.
إن الله سبحانه وتعالى لم يصف نفسه لعباده بالقاهر فقط، ولا بالمنتقم فقط، بل قدم لعباده أسماءً وصفاتٍ تفيض رحمةً وعفوًا ومغفرةً وكرمًا. فهو الرحمن الرحيم، الغفور الودود، التواب الكريم، الذي وسعت رحمته كل شيء، والذي كتب على نفسه الرحمة قبل أن يخلق الخلق، وجعل رحمته تسبق غضبه.
ولعل من أعظم الآيات التي تبعث الحياة في القلوب المكسورة قوله تعالى: "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم". إنها رسالة إلهية مباشرة إلى كل من أثقلته الذنوب، وإلى كل من يظن أن خطاياه أكبر من المغفرة. فالآية لم تستثنِ أحدًا، ولم تضع حدًا لحجم الذنب، بل فتحت أبواب الرجاء على مصراعيها.
كم من إنسان ضل الطريق سنوات طويلة ثم عاد إلى الله فصار من الصالحين؟ وكم من قلب غارق في المعاصي تبدلت حاله في لحظة صدق مع الله فأصبح من أهل الطاعة والاستقامة؟ إن تاريخ البشرية مليء بقصص التائبين الذين انتشلهم الله من ظلمات الذنوب إلى نور الإيمان، لأن الله لا ينظر إلى الماضي بقدر ما ينظر إلى صدق العودة إليه.
إن الشيطان لا يفرح بالذنب قدر فرحه باليأس بعد الذنب. فالذنب قد يتبعه توبة وإنابة ودموع وندم، أما اليأس فإنه يقطع العبد عن ربه ويغلق في وجهه أبواب الأمل. ولذلك كان أخطر ما يواجه الإنسان ليس المعصية نفسها، وإنما الاعتقاد بأن الله لن يغفر له، أو أن رحمته لا تسعه.
وربما يرتكب الإنسان ذنبًا فيندم، ثم يعود إليه فيضعف، ثم يتوب، ثم يزل مرة أخرى، فيظن أن الله قد أغلق بابه في وجهه. والحقيقة أن الله يعلم ضعف عباده، ويعلم أنهم ليسوا ملائكة لا يخطئون، ولذلك شرع لهم التوبة في كل وقت، وجعل بابها مفتوحًا ما لم تبلغ الروح الحلقوم أو تطلع الشمس من مغربها.
إن رحمة الله ليست مجرد كلمات نرددها، بل هي واقع يعيشه المؤمن في كل تفاصيل حياته. فكم من بلاء صرفه الله عنا ولم نشعر به؟ وكم من ذنب ستره علينا ولم يفضحنا به بين الناس؟ وكم من خطأ ارتكبناه فحلم علينا ولم يعاجلنا بالعقوبة؟ وكم من نعمة نعيش فيها صباح مساء ونحن لا ندرك أنها من آثار رحمته الواسعة؟
ولو عاملنا الله بعدله المجرد لهلكنا جميعًا، ولكننا نعيش بفضله ورحمته وستره وعفوه. فهو سبحانه يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات، ويبدل السيئات حسنات لمن صدق في رجوعه إليه، وهذا من أعظم صور الكرم الإلهي التي يعجز العقل عن تصورها.
ولذلك فإن المسلم مهما كثرت ذنوبه لا ينبغي أن يرفع راية الاستسلام، ولا أن يسقط في مستنقع القنوط، بل عليه أن يرفع رأسه إلى السماء ويقول: يا رب، أخطأت ولكني جئت، عصيت ولكني ندمت، ابتعدت ولكني أريد العودة. فإن الكريم إذا دُعي أجاب، وإذا سُئل أعطى، وإذا تُرك الباب لم يغلقه في وجه من عاد إليه صادقًا.
إن حياتنا اليوم تحتاج إلى نشر ثقافة الرجاء أكثر من أي وقت مضى. فكم من شاب يظن أن مستقبله انتهى بسبب خطأ ارتكبه؟ وكم من إنسان يعيش أسير ماضٍ أليم يطارده كل يوم؟ وكم من مذنب يريد التوبة لكنه يخشى ألا تُقبل منه؟ وهؤلاء جميعًا يحتاجون إلى أن يعلموا أن رحمة الله أكبر من ذنوبهم، وأن مغفرته أوسع من خطاياهم، وأن عفوه أعظم من كل ما يتصورون.
وربك الغفور ذو الرحمة... كلمة تختصر رحلة الإنسان كلها. فإذا ضاقت بك الدنيا فتذكرها، وإذا أثقلتك الذنوب فتذكرها، وإذا أحاطت بك الهموم فتذكرها، وإذا وسوس لك الشيطان بأنك هالك لا محالة فتذكرها. تذكر أن لك ربًا رحيمًا لا يمل من توبة التائبين، ولا يرد المنكسرين، ولا يغلق بابه أمام العائدين.
فمهما بلغت ذنوب الإنسان، ومهما تعاظمت أخطاؤه، ومهما ابتعد عن طريق الهداية، فإن باب الأمل في الله يبقى مفتوحًا. وما دام القلب ينبض، وما دام في العمر بقية، وما دامت الروح لم تغادر الجسد، فإن فرصة العودة إلى الله قائمة، وفرصة المغفرة موجودة، وفرصة النجاة حاضرة.
فلا تيأس أبدًا من رحمة الله، ولا تجعل الشيطان يقنعك بأنك انتهيت، فربك الذي خلقك هو أعلم بضعفك، وهو أرحم بك من نفسك ومن الناس جميعًا. وإذا كانت الأرض كلها قد أغلقت أبوابها في وجهك، فإن باب الله يظل مفتوحًا، وإذا خذلك الناس جميعًا فإن رحمة الله لا تخذلك، وإذا ضاقت بك الدنيا بما رحبت فإن رحمة الله أوسع من الدنيا وما فيها.
وهكذا يبقى المؤمن معلق القلب بربه، لا يغتر بطاعة فيأمن مكر الله، ولا ييأس بسبب معصية فيقنط من رحمته، بل يعيش بين الخوف والرجاء، راجيًا عفو الله ومغفرته، مستبشرًا بوعده الكريم، حتى يلقى ربه وهو يحسن الظن به، فقد وعد سبحانه عباده بالمغفرة والرحمة، ووعده الحق، وهو أصدق القائلين.


Share:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *