10 watching nowالرئيسية / دين ودنيا / معركة شقحب: حين قيل "هلك أهل الإسلام"… ثم انقلبت الهزيمة إلى نصرٍ ساحق

معركة شقحب: حين قيل "هلك أهل الإسلام"… ثم انقلبت الهزيمة إلى نصرٍ ساحق

23-05-2026 5:06 ص  وكالة انباء الشرق العربي 404 views
معركة شقحب: حين قيل "هلك أهل الإسلام"… ثم انقلبت الهزيمة إلى نصرٍ ساحق

و.ش.ع      العراق ۔ أ..د. صالح العطوان الحيالي

السبت  23 مايو  2026     
شقحب هي موضع يقع قرب دمشق اشتهرت تاريخيا بانها منطقة معركة حاسمة وتعرف ايضاً باسم مرج الصفر او سهل شقحب وتقع جنوب دمشق بعد قرية الكسوة على طريق حوران وهي عين ماء وسهل واسع . 
في 23 إبريل 1303م الموافق 2 رمضان سنة 702هـ، وعلى مشارف دمشق، كُتب أحد أعظم فصول التاريخ الإسلامي، فصلٌ التقى فيه السيف بالفتوى، واجتمع فيه السلطان بالعالم، وانكسر فيه زحف التتار للمرة الأخيرة على بلاد الشام.
لم تكن شقحب مجرد معركة عسكرية، بل كانت معركة مصير، معركة وقف فيها المسلمون على حافة الانهيار الكامل، قبل أن يتحول المشهد إلى واحد من أعظم الانتصارات في تاريخهم.
كان المغول قد أعلنوا الإسلام ظاهرًا، لكنهم ظلوا متمسكين بـ**"الياسق"**؛ ذلك القانون الذي وضعه جنكيز خان، والذي مزج فيه بين أعراف المغول وبعض الأحكام المنتقاة من الشرائع المختلفة.
ورغم نطقهم بالشهادتين، فإنهم لم يجعلوا الشريعة مرجعهم، بل استمروا في الحكم بقانونهم الخاص، وساروا به في البلاد تحت راية الإسلام اسمًا، بينما كانت حقيقتهم شيئًا آخر.
وبعد أن اجتاح المغول بلاد سلاجقة الروم، واتجهوا نحو الشام بقيادة قطلو شاه، عمّ الرعب أرجاء المنطقة.
بدأت المدن تتساقط تباعًا، ووقع كثير من نساء المسلمين وأطفالهم في الأسر، وانتشرت الفوضى داخل جيش المماليك، بينما خيم الذعر على الناس في دمشق، الذين تذكروا ما فعله التتار في بغداد قبل عقود.
في تلك اللحظات، ظن كثيرون أن النهاية قد اقتربت.في مصر، كان السلطان الناصر محمد بن قلاوون يعيش حالة من القلق الشديد، وانتشرت بين الناس مخاوف حقيقية من وصول التتار إلى القاهرة، حتى إن بعض الأسر بدأت تهرب إلى الجبال والكهوف خوفًا من المذبحة.
وسط هذا المشهد المظلم، ظهر ابن تيمية ليغير مجرى الأحداث.تحرك بين الناس يثبتهم، ورفع معنويات الجنود، ثم توجه إلى مصر بنفسه ليحث السلطان على الخروج لنصرة الشام.وقف أمام السلطان بكلمات خالدة وقال:
"لو قُدّر أنكم لستم حكام الشام، واستنصركم أهله، لوجب عليكم نصرهم، فكيف وأنتم سلاطينه وهم رعيتكم؟"كانت كلمات أشعلت الحماسة في النفوس، فاستجاب السلطان، وتحرك الجيش المصري إلى الشام، فاستبشر الناس بقدومه.ولم يكتفِ ابن تيمية بالتحريض والخطابة، بل خرج بنفسه مع الجيش، يثبت الجنود ويذكرهم بالله ويبشرهم بالنصر.
وكان يقول بثقة عظيمة:
"والله إنكم في هذه الكرة منصورون."
فيقول له الأمراء."قل إن شاء الله."
فيجيبهم:"إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا"
كما انتشرت آنذاك شبهات حول حكم قتال التتار بعد إعلانهم الإسلام، فكان موقف ابن تيمية حاسمًا حين قال:
"إذا رأيتموني من ذلك الجانب وعلى رأسي مصحف فاقتلوني."
فازدادت عزائم الناس، وقويت نفوسهم على القتال.وصل الجيشان إلى منطقة شقحب قرب دمشق، وبدأت المواجهات في الثاني من رمضان.وكانت البداية كارثية على المسلمين.انهارت ميمنة الجيش، وقُتل قائدها الأمير لاجين، واشتد ضغط المغول بشكل هائل، حتى صاح الأمير سلار في لحظة يأس:
"هلك والله أهل الإسلام!"
وبدأ البعض يفكر في الانسحاب.
لكن المستكفي بالله رفض التراجع، وصرخ في الجنود:
"قاتلوا عن دين نبيكم، ولا تنظروا إلى سلطانكم!"وكان السلطان الناصر في قلب المعركة، بينما ارتفعت أصوات قرّاء القرآن في ساحة القتال.
في اليوم الثاني، أعاد القادة ترتيب الصفوف، وتم تعزيز الميمنة، وبدأ الجيش يستعيد توازنه تدريجيًا.
لكن القتال في نهار رمضان كان بالغ القسوة، وأصاب الجنود الإرهاق الشديد.
وهنا أصدر ابن تيمية فتواه الشهيرة بجواز الإفطار للمقاتلين حتى يتقووا على العدو، بل كان يأكل أمام الجنود ليطمئنهم ويزيل ترددهم.
وفي اليوم الثالث، جاءت نقطة التحول الكبرى.علم المسلمون من بعض الأسرى أن جيش المغول يعاني من العطش الشديد، فتركوه يتحرك نحو النهر الأعوج.
وهناك وقعت المفاجأة.انقضت قوات المسلمين بقيادة الخليفة والسلطان على جيش التتار المنهك، فتحولت المعركة إلى هزيمة ساحقة للمغول.
قُتل منهم عدد كبير، وفر من بقي حيًا نحو إيران، ولم ينجُ إلا القليل.
وكانت هذه الهزيمة من أعظم الضربات التي تلقاها المغول في تاريخهم بعد معركة عين جالوت.
عاد الجيش منتصرًا إلى دمشق، فاستقبلهم الناس بالبكاء فرحًا والتهليل.
ثم عاد الجيش إلى القاهرة، ودخلها من باب النصر وسط احتفالات عظيمة، والزينة تملأ الشوارع، بعد أن تحول خوف الأمة إلى فرح عظيم.لم تكن معركة شقحب مجرد مواجهة عسكرية…
بل كانت لحظة أثبتت أن الأمم قد تصل إلى حافة السقوط، ثم يغير الله موازينها بثبات رجالٍ صادقين، وقيادةٍ حاسمة، وإيمانٍ لا يعرف الهزيمة.

المصادر:
بدائع الزهور في وقائع الدهور
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة
تاريخ الخلفاء
البداية والنهاية
تاريخ دمشق
 


Share:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *