13 watching nowالرئيسية / مــقالات / لا تلتفت للوراء.. فبين التعثر والنجاة خطوة إلى الله

لا تلتفت للوراء.. فبين التعثر والنجاة خطوة إلى الله

13-06-2026 5:17 ص  وكالة انباء الشرق العربي 106 views
لا تلتفت للوراء.. فبين التعثر والنجاة خطوة إلى الله

و.ش.ع         الاسماعلية ۔ أ د حسين السمنودي
السبت  13 يونيو 2026     

في هذه الحياة يمضي الإنسان بين محطات كثيرة؛ فرح وحزن، نجاح وفشل، قوة وضعف، طاعة ومعصية. وبين كل تلك المحطات يقف القلب أحياناً مثقلاً بما مضى، يحمل على كتفيه أعباء الأخطاء والندم، ويشعر أن الطريق أصبح أطول مما يحتمل، وأن المسافة بينه وبين أحلامه أو بينه وبين ربه قد اتسعت حتى باتت مستحيلة العبور. لكن الحكمة الخالدة تقول: "من التفتَ تعثّر، ومن وقفَ تأخّر."
إن الالتفات المستمر إلى الخلف لا يغير الماضي، لكنه قد يسرق الحاضر ويهدم المستقبل. فالإنسان الذي يعيش أسيراً لأخطائه القديمة يشبه مسافراً يسير في طريق طويل بينما عينيه معلقتان بما خلفه، فلا يرى الحفر التي أمامه ولا يدرك الفرص التي تنتظره. ولذلك كانت أعظم خسارة أن يتحول الندم من وسيلة للإصلاح إلى سجن يحبس الإنسان داخله سنوات طويلة.
إن كثيراً من الناس لا تهزمهم ظروف الحياة بقدر ما تهزمهم ذكرياتهم. يتذكر أحدهم ذنباً ارتكبه قبل سنوات، أو قراراً خاطئاً اتخذه، أو فرصة ضاعت منه، فيظل يجلد نفسه كل يوم وكأن الزمن سيتراجع ليمنحه فرصة أخرى. والحقيقة أن الماضي صفحة طويت، وما بقي لنا هو الحاضر الذي نصنع به المستقبل. فمن بقي واقفاً عند أخطاء الأمس تأخر عن إنجازات الغد، ومن ظل يلتفت إلى الوراء تعثر في أول خطوة إلى الأمام.
ولعل أعظم ما يثقل القلوب هو الذنوب والمعاصي، فكم من إنسان يشعر أن كثرة تقصيره قد جعلته بعيداً عن رحمة الله، وكم من شخص يظن أن أبواب التوبة أغلقت في وجهه بسبب ما ارتكب من أخطاء. وهنا تأتي العبارة المضيئة التي تفتح أبواب الأمل على مصاريعها: "فلا تنظر إلى ذنوبك وإن كثرت نظرة يأس، ولكن انظر إلى رحمة ربك نظرة رجاء."
إن المشكلة ليست في أن يخطئ الإنسان، فكل بني آدم خطاءون، وإنما المشكلة أن يظن أن خطأه أكبر من رحمة الله. فالله سبحانه وتعالى لم يصف رحمته بالقلة أو المحدودية، بل جعلها واسعة تشمل كل شيء. ورحمة الله ليست باباً صغيراً يقف أمامه الناس متزاحمين خوفاً من أن يغلق، بل هي بحر لا ساحل له، ونهر لا ينقطع عطاؤه، وسماء لا تنفد خزائنها.
إن الشيطان لا يفرح بالذنب فقط، بل يفرح أكثر عندما يقنع الإنسان بأن التوبة لم تعد تنفعه. ولذلك فإن أخطر ما يواجه المؤمن ليس الذنب نفسه، بل اليأس الذي يتسلل إلى قلبه بعد الذنب. فكم من عاصٍ أصبح من الصالحين بسبب توبة صادقة، وكم من مذنب رفعه الله بدرجة انكساره بين يديه، وكم من إنسان كانت دمعة ندم واحدة سبباً في تغيير حياته كلها.
إن الرجاء في الله ليس مجرد شعور عابر، بل هو عبادة عظيمة تحيي القلب وتمنحه القوة للاستمرار. فعندما يؤمن الإنسان أن الله أرحم به من نفسه، وأنه سبحانه يعلم ضعفه ويعلم صدق ندمه، فإنه ينهض من جديد مهما كانت عدد مرات سقوطه. فالطريق إلى الله لا يُغلق بسبب الذنوب، وإنما يُغلق فقط عندما يستسلم الإنسان لليأس.
وفي الجانب النفسي من الحياة نجد أن الإنسان كثيراً ما يضخم أخطاءه حتى يراها أكبر مما هي عليه. فيعيش في صراع داخلي دائم، ويشعر أنه لا يستحق النجاح أو السعادة أو المغفرة. لكن الحقيقة أن كل إنسان يحمل داخله نقاط ضعف، وكل نفس لها معاركها الخاصة التي لا يراها الآخرون. ولذلك فإن القوي ليس من لم يخطئ قط، وإنما من عرف كيف يحول الخطأ إلى درس، والندم إلى إصلاح، والسقوط إلى بداية جديدة.
ومن الجوانب المهمة التي تعلمناها هذه الكلمات أن الحياة لا تنتظر أحداً. فالوقت يمضي، والعمر يجري، والأيام تتبدل بسرعة مذهلة. ومن المؤسف أن يقضي الإنسان سنوات من عمره وهو يتحسر على ما فات بينما يمكنه أن يبني ما هو آت. فالماضي لا يمكن تغييره، أما المستقبل فما زال بين يديك. ولهذا فإن الحكمة الحقيقية ليست في كثرة التفكير فيما حدث، بل في حسن التعامل مع ما سيحدث.
وكثيراً ما نرى أشخاصاً تغيرت حياتهم بالكامل لأنهم اتخذوا قراراً واحداً بعدم الاستسلام. كانوا في لحظة ضعف يظنون أن النهاية قد اقتربت، ثم اكتشفوا لاحقاً أن تلك اللحظة كانت مجرد بداية جديدة. فالنجاح لا يولد من الكمال، وإنما يولد من المحاولات المتكررة، ومن القدرة على النهوض بعد كل تعثر.
وتأتي العبارة الأخيرة لترسم أجمل صورة للأمل: "وتذكر أن الشمس إذا أشرقت غيّبت كل ظلام." إنها صورة تختصر فلسفة الحياة كلها. فالليل مهما طال لا يستطيع أن يمنع طلوع الفجر، والظلام مهما اشتد لا يملك القدرة على الوقوف أمام شعاع واحد من نور الشمس. وكذلك الحزن أمام الأمل، والذنب أمام التوبة، واليأس أمام الرجاء.
فالشمس لا تدخل في معركة مع الظلام، ولا تحتاج إلى قوة لتطرده، بل يكفي أن تظهر فيختفي كل شيء تلقائياً. وكذلك نور الإيمان إذا دخل القلب، ونور الثقة بالله إذا استقر في النفس، ونور الأمل إذا سكن الروح؛ فإن مخاوف كثيرة تتلاشى، وأحزاناً كثيرة تنكسر، وعقبات كثيرة تصبح أهون مما كانت تبدو.
إن الإنسان يحتاج في حياته إلى أن يتذكر دائماً أن وراء كل عسر يسراً، وأن بعد كل انكسار جبراً، وأن بعد كل سقوط فرصة للنهوض. فكم من باب أُغلق ليُفتح باب أفضل منه، وكم من حلم تأخر ليأتي في الوقت الذي يكون أجمل وأنسب، وكم من محنة ظنها صاحبها نهاية الطريق ثم اكتشف أنها كانت بداية أعظم مرحلة في حياته.
لذلك لا تجعل أخطاءك القديمة تقيد مستقبلك، ولا تجعل تعثرك سبباً في توقفك، ولا تجعل كثرة ذنوبك باباً لليأس والقنوط. انظر إلى رحمة الله بعين المؤمن الواثق، وانظر إلى المستقبل بعين الساعي المجتهد، وانظر إلى الحياة بعين من يعلم أن الله يدبر الأمور بحكمة ورحمة.
سر إلى الله ولو بقدم متعبة، وانهض بعد كل سقوط، وجدد التوبة بعد كل تقصير، وتمسك بالأمل مهما اشتدت العواصف. فإن الطريق قد يطول، وقد تكثر العقبات، وقد تتعثر الخطوات أحياناً، لكن المؤمن الحق يعلم أن الوصول لا يكون لمن لم يسقط أبداً، بل لمن رفض أن يبقى ساقطاً.
وفي الختام، تذكر دائماً أن الماضي درس وليس وطناً، وأن الذنب عثرة وليس نهاية، وأن الرجاء نور لا ينطفئ ما دام القلب متعلقاً بالله. فإذا أشرقت شمس التوبة في قلبك، وإذا امتلأت روحك با


Share:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *