20 watching nowالرئيسية / مــقالات / اغتيال العقول

اغتيال العقول

13-06-2026 4:56 ص  وكالة انباء الشرق العربي 101 views
اغتيال العقول

و.ش.ع         عدن ۔ أ د عمر علي الهراش
السبت  13 يونيو 2026     

 هو مصطلح مجازي وسياسي يعبر عن عملية الاستهداف الممنهج للقوى البشرية المفكرة والمبدعة في مجتمع ما، بهدف تدمير بنيته المعرفية، وتعطيل نهضته، وإبقائه في حالة تبعية أو جهل.
​لا يقتصر هذا الاغتيال على التصفية الجسدية فقط، بل يمتد ليشمل أساليب فكرية، واجتماعية، واقتصادية منظمة. إليك أبرز الطرق التي يتم من خلالها "اغتيال العقول":

​1. الاغتيال الجسدي والمعنوي والتصفية المباشرة

​هذا هو الشكل الأكثر دموية ووضوحاً، ويستهدف العلماء، والمفكرين، والأطباء، والصحفيين الأحرار، والباحثين البارزين، ويتم عبر:

​التصفية الجسدية: الاغتيالات المباشرة لعلماء الحروب، أو أصحاب الفكر التنويري، أو المدافعين عن حقوق شعوبهم، لقطع الطريق أمام أي مشروع نهضوي (مثلما حدث لعديد من علماء الذرة والمفكرين العرب على مر العقود).

​التشويه المعنوي والملاحقة: شن حملات وتشويه السمعة (اغتيال الشخصية) عبر وسائل الإعلام أو منصات التواصل الاجتماعي، لإسقاط رمزية المفكر وصدمة الجمهور فيه، مما يؤدي إلى عزله اجتماعياً وثقافياً.

​2. الاغتيال الاقتصادي والمعيشي (تطفيش الكفاءات)

​حين لا تُقتل العقول بالرصاص، تُقتل بالحاجة والتهميش الإداري والمالي:

​الرواتب المتدنية وغياب الدعم: حرمان الباحثين والعلماء من الميزانيات اللازمة لأبحاثهم، وتدني مستواهم المعيشي مقارنة بمهن أخرى أقل تأثيراً، مما يضطرهم لتركيز طاقتهم في توفير لقمة العيش بدلاً من الإبداع.

​البيروقراطية وتوسيد الأمر لغير أهله: تقريب أصحاب الولاء على حساب أصحاب الكفاءة، ووضع العراقيل الإدارية أمام المبتكرين، مما يورثهم شعوراً بالإحباط واليأس.

​3. تهجير الأدمغة (Brain Drain)

​تستغل الدول المتقدمة أو الجهات المنافسة ظروف الحروب، أو الأزمات الاقتصادية، أو غياب الحريات في الدول النامية لتنفيذ "اغتيال ناعم" عبر:

​تقديم إغراءات مالية، وجنسيات، وبيئات عمل مثالية لجذب الصفوة من العلماء والمهندسين والأطباء.

​النتيجة هنا هي اغتيال العقل بالنسبة لبلده الأصلي؛ حيث تستفيد الدولة المضيفة من خبراته، بينما يظل وطنه يعاني من الفراغ المعرفي.

​4. الاغتيال الفكري عبر التعليم والإعلام

​يستهدف هذا النوع الشعوب بأكملها وليس الأفراد فقط، لتجريف الوعي الجمعي من خلال:

​تسطيح التعليم: تحويل المناهج الدراسية إلى قوالب جامدة تعتمد على الحفظ والتلقين، وإقصاء مواد الفلسفة، والمنطق، والتفكير النقدي، مما ينتج عقولاً تابعة غير قادرة على المساءلة أو الابتكار.

​التجهيل الإعلامي الممنهج: إغراق الفضاء الرقمي والإعلامي بمحتوى تافه، وإبراز "الرواد المزيفين" وصناع المحتوى الهابط كقدوات للمجتمع، مقابل تهميش العلماء والمثقفين، مما يوجّه اهتمام الأجيال الناشئة بعيداً عن العلم والمعرفة.

​صناعة الوعي الزائف (البروباجندا): استخدام تقنيات التضليل الإعلامي الموجه لشحن العقول بأفكار مغلوطة أو صراعات هامشية (طائفية، عرقية، أو حزبية) تستهلك طاقة المجتمع وتمنعه من البناء.

​5. محاربة حرية التعبير وفرض الرقابة

​تكميم الأفواه، وفرض قيود صارمة على البحث العلمي والكتابة الصحفية والأدبية.

​عندما يخشى المفكر أو الصحفي من قول الحقيقة أو طرح فكرة تجديدية خوفاً من الملاحقة، يحدث ما يُعرف بـ "الرقابة الذاتية"، حيث يموت الإبداع ويموت العقل ببطء داخل صاحبه دون الحاجة لقرص رصاص واحدة.

​خلاصة: إن اغتيال العقول هو أخطر أنواع الاغتيالات؛ لأن تصفية "الفكرة" أو "المنهج العلمي" يمتد أثره لأجيال متعاقبة. ومواجهة هذا الخطر لا تكون إلا ببيئة تحمي الحريات، وتدعم البحث العلمي، وتقدّس الكلمة الصادقة، وتضع الوعي في مقدمة أولوياتها.
بقلم أ. د. عمر علي الهراش 


Share:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *