وكالة أنباء الشرق العربي - و.ش.ع

Header
collapse
الرئيسية / مــقالات / حين سقطت الأسطورة… كيف كشف العبور زيف خط بارليف وصنع طريق تحرير سيناء

حين سقطت الأسطورة… كيف كشف العبور زيف خط بارليف وصنع طريق تحرير سيناء

أبريل 21, 2026  Mohamed Abd Elzaher 167 views
حين سقطت الأسطورة… كيف كشف العبور زيف خط بارليف وصنع طريق تحرير سيناء

و.ش.ع         القاهرة  ۔ حسين السمنودي

الثلاثاء  21 أبرايل 2026

لم تكن حرب أكتوبر 1973 مجرد معركة عسكرية عابرة في سجل الصراعات، بل كانت لحظة فاصلة في تاريخ أمة بأكملها، لحظة انكسرت فيها قيود الهزيمة، وسقطت فيها أكبر الأساطير التي حاول العدو الصهيوني ترسيخها في الوعي العربي، وعلى رأسها أسطورة “خط بارليف” الذي صُوِّر على أنه الحاجز الذي لا يُقهر، والجدار الذي يستحيل تجاوزه.
فبعد نكسة حرب 1967، لم يكتفِ العدو بالسيطرة العسكرية على الأرض، بل أطلق حربًا نفسية شرسة، هدفها تثبيت الهزيمة في العقول قبل أن تكون على الأرض. تم الترويج لخط بارليف باعتباره معجزة عسكرية، منظومة دفاعية معقدة، ساتر ترابي شاهق، نقاط حصينة، أنظمة إنذار مبكر، وأنابيب نابالم قادرة على إشعال قناة السويس. لم يكن الهدف فقط حماية الضفة الشرقية، بل إقناع المصريين والعرب أن استعادة سيناء حلم مستحيل.
لكن مصر، بتاريخها وإرثها، لم تكن لتقبل بهذا المصير. بدأت مرحلة إعادة البناء، ليس فقط للجيش، بل للإنسان المصري نفسه. جاءت حرب الاستنزاف لتكون مدرسة قتال حقيقية، أعادت الثقة، واختبرت قدرات العدو، وكسرت حاجز الخوف. كانت سنوات ما بعد 1967 سنوات إعداد شامل: تدريب، تسليح، تخطيط، ووعي، حيث أدركت القيادة أن المعركة القادمة لن تُحسم بالقوة وحدها، بل بالعقل والإرادة.
وفي ظل هذه الأجواء، خاضت مصر معركة أخرى لا تقل أهمية، وهي معركة الوعي. فبينما كان العدو يروج لأكاذيبه، كان الداخل المصري يعيد صياغة ثقته بنفسه، مستندًا إلى إيمان عميق بأن الحق لا يضيع، وأن الأرض التي تُغتصب لا بد أن تعود.
ثم جاءت لحظة الحسم… السادس من أكتوبر 1973، حيث تحول الصمت إلى إعصار. في ساعات قليلة، انهار خط بارليف، وسقطت معه كل الدعاية التي بُنيت حوله. لم يكن سقوطه نتيجة ضعف في تحصيناته، بل نتيجة قوة في التخطيط والإرادة. استخدم المهندسون المصريون خراطيم المياه لفتح ثغرات في الساتر الترابي، في واحدة من أبسط وأذكى الحلول العسكرية في التاريخ، بينما عبر الجنود القناة في مشهد جسّد أعظم معاني الشجاعة والتضحية.
لقد نجحت خطة الخداع الاستراتيجي في تضليل العدو، فجاءت الضربة في توقيت لم يكن يتوقعه، لتتحطم أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”، وتبدأ مرحلة جديدة من الصراع، عنوانها أن العرب قادرون على الفعل، لا مجرد رد الفعل.
ولم تكن هذه الحرب مجرد مواجهة بين جيشين، بل كانت ملحمة شعب كامل. شارك فيها الفلاح بصبره، والعامل بإنتاجه، والأم بدعائها، والأسرة بتضحياتها. لقد كانت أكتوبر لحظة وحدة وطنية نادرة، تجلت فيها قوة الشعب المصري حين يتوحد خلف هدف واحد.
وعلى المستوى الدولي، أعادت الحرب رسم موازين القوى، وأثبتت أن المنطقة ليست ساحة مفتوحة لفرض الأمر الواقع، بل ميدان يمكن أن يتغير بفعل الإرادة. ومع تطور الأحداث، دخلت القضية مسارًا سياسيًا ودبلوماسيًا، انتهى باستعادة الأرض المصرية كاملة، لتأتي ذكرى عيد تحرير سيناء تتويجًا لنضال طويل، بدأ بالدم، واكتمل بالصبر والحكمة.
لقد كشفت هذه الملحمة أن أخطر ما يمكن أن تواجهه الأمم ليس قوة عدوها، بل استسلامها للأوهام. وسقوط خط بارليف لم يكن مجرد انهيار تحصين عسكري، بل كان سقوطًا لمنظومة كاملة من الأكاذيب التي حاولت فرض واقع زائف على أمة بأكملها.
وفي ختام هذه الملحمة التي لم تكن مجرد حرب، بل كانت ميلادًا جديدًا لأمة بأكملها، نقف أمام هذه اللحظة التاريخية لا باعتبارها ذكرى تُحكى، بل كعقيدة تُورث، وروحٍ تسري في وجدان هذا الشعب الذي أثبت أنه حين يقرر، يفعل، وحين ينهض، لا يسقط. لقد كانت أكتوبر إعلانًا بأن هذه الأمة لا تموت، وأنها مهما تعرضت للانكسار، فإنها تملك من القدرة والإيمان ما يجعلها تعود أقوى وأصلب.
إن هذا النصر لم يكن عسكريًا فقط، بل كان انتصارًا للوعي، وللإرادة، وللإنسان الذي رفض أن يعيش مكسورًا. لقد أعاد هذا النصر للأمة العربية والإسلامية ثقتها بنفسها، وفتح أمامها أبواب الأمل، وأكد أن الاحتلال إلى زوال، وأن الحق لا يُمحى مهما طال الزمن.
وإذا كان البعض يراهن على النسيان، فإن الشعب المصري يثبت كل يوم أن ذاكرته حية لا تموت، وأن تاريخه ليس مجرد ماضٍ يُروى، بل حاضر يُعاش ومستقبل يُبنى عليه. إن هذا الشعب لا يحمل الكراهية، لكنه لا يفرط في حق، ولا ينسى أرضًا، ولا يقبل ظلمًا. يحمل في داخله وعيًا عميقًا بأن القوة الحقيقية ليست في العدوان، بل في القدرة على حماية الحق وصونه.
ومن هنا، فإن ذكرى تحرير سيناء ليست مجرد احتفال، بل عهد متجدد بأن هذه الأرض ستظل محفوظة، وأن هذا الوطن سيبقى قويًا بأبنائه، عصيًا على كل محاولات الكسر أو التشويه. إن المصريين الذين صنعوا هذا النصر، يعرفون جيدًا أن الحفاظ عليه لا يقل أهمية عن تحقيقه، وأن البناء هو الامتداد الحقيقي للبطولة.
وهكذا، تبقى الحقيقة راسخة لا تتغير: أن هذا الشعب الذي انتصر في أكتوبر، لن يكون يومًا بلا ذاكرة، ولن يسمح بأن تُطمس حقوقه أو تُنسى تضحياته. سيظل متمسكًا بأرضه، واعيًا بتاريخه، مؤمنًا بأن الحق لا يضيع، وأن الأيام مهما دارت، فإن العدالة لا بد أن تجد طريقها. وسيبقى التاريخ شاهدًا أن الشعوب التي تعرف قيمتها، وتدافع عن حقها، قادرة دائمًا على أن تكتب نهايتها بيدها، لا أن تُفرض عليها.


Share:

Leave a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Your experience on this site will be improved by allowing cookies Cookie Policy