
و.ش.ع الاسماعلية ۔ دكتور حسين السمنودي
الاحد 14 يونيو 2026
في تراث البادية وحكمتها المتوارثة، قيل قديمًا: "الرمح غالٍ والفريسة ذبابة"، وهي عبارة قصيرة في كلماتها، لكنها عميقة في معناها ودلالاتها. فالرمح رمز للقوة والجهد والقيمة، أما الذبابة فهي رمز للشيء التافه الذي لا يستحق كل هذا العناء. وكأن الحكمة تقول لنا: لا تهدر أثمن ما لديك في مطاردة ما لا قيمة له.
هذه الحكمة القديمة ما زالت صالحة لكل زمان، بل ربما أصبحت أكثر أهمية في عصرنا الحالي، حيث كثرت الخلافات، وتعددت أسباب الجدل، وأصبح كثير من الناس يستهلكون أعمارهم وطاقاتهم في معارك وهمية لا تحقق لهم نفعًا ولا تضيف إلى حياتهم قيمة.
إن الإنسان يملك رأس مال محدودًا من الوقت والطاقة والتركيز والمشاعر، وكل لحظة يقضيها في جدال عقيم أو خصومة تافهة هي جزء من هذا الرصيد الذي لن يعود مرة أخرى. ولذلك فإن الحكيم ليس من ينتصر في كل معركة، بل من يعرف أي المعارك تستحق أن يخوضها وأيها يستحق أن يتجاوزها.
كم من إنسان دخل في خلاف بسبب كلمة عابرة، أو تعليق عابر، أو رأي لا يؤثر في حياته بشيء، فشغل نفسه أيامًا وربما شهورًا في الردود والتبريرات والخصومات. ومع مرور الوقت يكتشف أن القضية كلها لم تكن تستحق جزءًا من ذلك الجهد الذي بذله، وأنه أضاع من عمره ما كان يمكن أن يستثمره في تطوير نفسه أو بناء مستقبله أو إسعاد أسرته.
ومن أكبر الأخطاء التي يقع فيها البعض أنهم يمنحون الأشخاص التافهين أهمية أكبر من حجمهم الحقيقي. فهناك من يعيش على إثارة المشكلات، واستفزاز الآخرين، وجرّهم إلى معارك جانبية لا تنتهي. وحين يستجيب الإنسان لمثل هؤلاء، فإنه يمنحهم ما يريدون تمامًا، ويصبح أسيرًا لردود أفعاله بدل أن يكون قائدًا لحياته.
إن التجاهل في كثير من الأحيان ليس ضعفًا كما يظن البعض، بل هو قمة القوة والنضج. فليس كل ما يُقال يستحق ردًا، وليس كل استفزاز يستحق مواجهة، وليس كل خلاف يستحق معركة. أحيانًا يكون الصمت أبلغ من الكلام، والتجاوز أذكى من الانتصار، والانشغال بالأهداف أعظم من الانشغال بالخصوم.
وقد أثبتت التجارب أن أكثر الناس نجاحًا هم أولئك الذين يعرفون كيف يركزون على أهدافهم، فلا يسمحون للتفاهات أن تسرق وقتهم، ولا للضجيج أن يشتت انتباههم. فهم يدركون أن العمر أقصر من أن يُستهلك في ملاحقة كل خطأ، أو الرد على كل منتقد، أو الانشغال بكل من يختلف معهم.
ومن المؤسف أن وسائل التواصل الاجتماعي زادت من هذه المعارك الوهمية، فأصبح البعض يدخل يوميًا في نقاشات لا تنتهي حول قضايا لا تمسه، أو خلافات لا تؤثر في مستقبله، أو آراء لن تغيّر شيئًا في الواقع. فيخرج من تلك المعارك متعبًا نفسيًا وعصبيًا، بينما لم يحقق أي تقدم حقيقي في حياته.
إن السلام النفسي لا يعني الهروب من المسؤوليات أو التنازل عن الحقوق، وإنما يعني الحكمة في اختيار ما يستحق الجهد وما لا يستحقه. فهناك قضايا تستوجب الموقف والحزم والدفاع عنها، لكن هناك أيضًا أمورًا كثيرة لا تستحق سوى الابتسامة والتجاوز والمضي قدمًا.
الحياة أكبر من أن تُختزل في الخصومات، وأجمل من أن تُستهلك في الردود والانفعالات. فكل دقيقة تضيع في معركة تافهة هي دقيقة مسروقة من أحلامك وأهدافك وأهلك ومستقبلك. وكل طاقة تهدرها في الجدال العقيم هي طاقة كان يمكن أن تصنع بها إنجازًا أو تبني بها نجاحًا.
وفي ختام هذه الرحلة مع تلك الحكمة البدوية العميقة: "الرمح غالٍ والفريسة ذبابة"، ندرك أن أعظم ما يمكن أن يملكه الإنسان ليس القوة وحدها، بل الحكمة في توجيه هذه القوة إلى ما يستحق. فالحياة أقصر من أن تُهدر في مطاردة الصغائر، وأثمن من أن تُستنزف في خلافات عابرة ومعارك لا تضيف إلى أعمارنا إلا التعب والندم.
إن كثيرًا من الناس يكتشفون متأخرين أنهم أمضوا سنوات طويلة في الرد على المنتقدين، ومجاراة المستفزين، والانشغال بمن لا يستحقون جزءًا من اهتمامهم، بينما كانت أحلامهم الحقيقية تنتظر منهم خطوة، وكانت أهدافهم الكبرى بحاجة إلى ذلك الوقت الذي ضاع في معارك خاسرة منذ بدايتها. فالخسارة الحقيقية ليست أن تتراجع عن جدال أو تتجاوز إساءة، وإنما أن تسمح للتفاهات بأن تسرق منك عمرك وتركيزك وسلامك النفسي.
إن النضج الحقيقي يظهر حين يتعلم الإنسان أن يختار معاركه بعناية، وأن يدرك أن الصمت أحيانًا انتصار، والتجاهل أحيانًا قوة، والانشغال بالنجاح أبلغ رد على كل من يحاول إعاقتك أو التقليل منك. فليس كل من رماك بحجر يستحق أن تنحني لتلتقطه، وليس كل صوت مرتفع يستحق أن تمنحه من وقتك واهتمامك.
ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان لنفسه هو أن يعيش بسلام، وأن يوجه جهده إلى البناء بدل الهدم، وإلى الإنجاز بدل الجدل، وإلى صناعة مستقبله بدل الانشغال بمن يحاولون تعطيله. فالأيام تمضي سريعًا، والعمر لا يعود، والفرص لا تنتظر طويلًا، ومن الحكمة أن نحافظ على طاقاتنا لما ينفعنا ويترك أثرًا جميلًا في حياتنا وحياة من حولنا.
فلنجعل من هذه الحكمة منهجًا للحياة، نتذكرها كلما دعانا أحد إلى صراع لا قيمة له، أو حاول أن يشغلنا عن أهدافنا الحقيقية. ولنعلم أن الإنسان العظيم ليس الذي ينتصر في كل معركة، بل الذي يعرف متى يقاتل، ومتى يتجاوز، ومتى يمضي في طريقه دون أن يلتفت. فهناك معارك تربحها بالكلمات، وأخرى تربحها بالصمت، لكن أعظم المعارك على الإطلاق هي تلك التي تربحها حين ترفض خوضها من الأساس، وتمضي نحو مستقبلك بثبات، تاركًا خلفك كل ما هو صغير، مؤمنًا بأن الرمح غالٍ حقًا، وأن بعض الفرائس لا تستحق أن يُرفع لها رمح ولا أن يُهدر من أجلها عمر.

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *