
و.ش.ع بقلم _ د ۔حسين السمنودي
الجمعة 23اكتوبر2026
لم تعد الأسئلة المطروحة على مستقبل الضفة الغربية مجرد تساؤلات عابرة في خضم الأحداث المتلاحقة في الشرق الأوسط، بل أصبحت أسئلة تتصل بمصير شعب كامل، وأرض تتعرض لضغوط متصاعدة، وسلطة فلسطينية تواجه تحديات تهدد قدرتها على الاستمرار، في وقت تتسع فيه دائرة المواجهة وتتزايد المخاوف من أن تتحول الإجراءات الأمنية والعسكرية إلى واقع دائم يفرض على الفلسطينيين مزيدًا من القيود والتضييق والتهجير.
وجاءت العملية المسلحة التي وقعت بالقرب من مدينة الخليل يوم الجمعة 23 أكتوبر 2026 لتفتح بابًا جديدًا من التساؤلات الخطيرة حول ما يمكن أن تشهده الضفة الغربية خلال الأيام المقبلة. ووفقًا للتقارير المنشورة حتى الآن، أُصيب خمسة إسرائيليين في الحادث، بينهم مصابون بجروح خطيرة، وقُتل منفذا الهجوم الفلسطينيان برصاص القوات الإسرائيلية، فيما أعلن بنيامين نتنياهو فرض الإغلاق على الخليل والاستعداد لفرض إغلاق شامل على الضفة الغربية، إلى جانب تنفيذ حملات اعتقال واسعة. وهذه التفاصيل مهمة لفهم ما يجري، إذ لا تؤكد التقارير المتاحة حتى الآن مقتل جنديين إسرائيليين في الحادث كما ورد في بعض الروايات المتداولة. (تايمز أوف إسرائيل، 23 أكتوبر 2026).
لكن السؤال الأهم ليس فقط ما الذي حدث في الخليل، وإنما ما الذي يمكن أن يحدث بعدها؟ وهل تستغل الحكومة الإسرائيلية هذه العملية لتوسيع نطاق عملياتها العسكرية، وتشديد الحصار على المدن والقرى الفلسطينية، وتكثيف هدم المنازل، وتوسيع الاستيطان، وربما الدفع نحو إضعاف السلطة الفلسطينية إلى الحد الذي تصبح معه عاجزة عن إدارة شؤون الفلسطينيين في الضفة الغربية؟
إن قراءة المشهد السياسي الإسرائيلي تستدعي التمييز بين الإجراءات التي أُعلنت بالفعل وبين السيناريوهات التي قد تتطور لاحقًا. فالإغلاق والتحركات الأمنية الواسعة أصبحا جزءًا من رد الفعل المعلن على الحادث، أما إسقاط السلطة الفلسطينية بالكامل أو تهجير سكان الضفة الغربية بصورة شاملة، فهما احتمالان لا يمكن الجزم بأنهما قرار نهائي اتخذته الحكومة الإسرائيلية بشأن هذه العملية تحديدًا. غير أن خطورة هذه المخاوف تكمن في وجود مسار سابق من القيود والاقتحامات وهدم المنشآت والتهجير، يمكن أن تتفاقم آثاره إذا اتسعت الإجراءات الجديدة.
إن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتحول الجريمة الفردية إلى عقوبة جماعية.
فإذا ارتكب شخص جريمة، فإن المسؤولية الجنائية يجب أن تُحدد وفق الأدلة والتحقيقات، ولا يجوز تحويل أسرة بأكملها أو حي سكني أو مدينة كاملة إلى طرف مسؤول عن فعل لم يرتكبه جميع سكانها. ولا يجوز أن يصبح المدني الفلسطيني مطالبًا بدفع ثمن سياسي أو إنساني بسبب انتمائه إلى شعب يعيش تحت الاحتلال.
ومن هنا تبرز المخاوف من أن تتجاوز الإجراءات الإسرائيلية ملاحقة المشتبه في تورطهم في الهجوم، لتشمل إغلاق الطرق، وتعطيل حركة المرضى والعمال والطلاب، وفرض قيود واسعة على التنقل، واقتحام الأحياء السكنية، وتوسيع الاعتقالات، وربما استهداف منازل جديدة بالهدم. وإذا اتسع نطاق هذه التدابير، فإن المدنيين سيكونون أول من يدفع الثمن، حتى لو لم تكن لهم أي صلة بالحادث.
وهذه المخاوف ليست منفصلة عن الواقع الذي سجلته التقارير الأممية خلال عام 2026. فقد وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية استمرار عمليات الهدم والتهجير في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، إلى جانب آثار عنف المستوطنين والقيود المفروضة على حركة الفلسطينيين. وأشار تقريره الصادر في سبتمبر إلى تهجير آلاف الفلسطينيين خلال العام بفعل الهدم والإخلاء واعتداءات المستوطنين والقيود المرتبطة بها. وهذا يعني أن الخطر الإنساني كان قائمًا بالفعل قبل أحداث الخليل الأخيرة، وأن أي تصعيد جديد قد يزيد معاناة السكان. (مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، تقرير 11 سبتمبر 2026).
أما هدم المنازل، فهو من أكثر الملفات حساسية وخطورة؛ لأن المنزل الفلسطيني ليس مجرد جدران وسقف، بل هو تاريخ أسرة، وذاكرة أجيال، ومصدر الأمان الوحيد لأطفال لا ذنب لهم في الصراع الدائر حولهم. وعندما يُهدم منزل، لا يفقد أصحابه مكانًا للسكن فحسب، بل قد يفقدون مدخرات سنوات طويلة، واستقرارهم الاجتماعي، وإحساسهم بأن لهم مكانًا ثابتًا في أرضهم.
وتزداد الخطورة عندما تقترن عمليات الهدم بإجراءات تعرقل عودة السكان إلى مناطقهم، أو تجعل الحياة فيها شبه مستحيلة بسبب القيود على الحركة والمياه والكهرباء والخدمات الأساسية. ففي مثل هذه الظروف، قد يتحول التهجير من نتيجة مباشرة لعملية عسكرية إلى نتيجة تتراكم بفعل ضغوط متعددة، حتى يجد السكان أنفسهم مضطرين إلى مغادرة بيوتهم بحثًا عن الحد الأدنى من الأمان.
وهنا تتجدد المخاوف الفلسطينية من أن تؤدي السياسات المتراكمة إلى تغيير الواقع السكاني والجغرافي في الضفة الغربية، بما يخدم توسيع المستوطنات وتكريس السيطرة الإسرائيلية على مساحات إضافية من الأرض. وقد حذرت جهات أممية من مخاطر الضم الفعلي وتزايد التهجير في الضفة الغربية، وهي تحذيرات تجعل التعامل مع التطورات الأخيرة ضرورة سياسية وإنسانية، لا مجرد متابعة لحدث أمني منفرد.
وماذا عن السلطة الفلسطينية؟ هل تكون الخليل بداية النهاية؟
هذا السؤال يحمل أبعادًا تتجاوز حدود المدينة؛ فالسلطة الفلسطينية تمثل الإطار الإداري والسياسي الذي يدير أجزاء من الضفة الغربية في ظل ترتيبات واتفاقات معقدة، بينما تظل السيطرة الإسرائيلية على الأرض والحركة والأمن عاملًا حاسمًا في الواقع اليومي للفلسطينيين.
إن استمرار الإغلاقات الواسعة، وتوسيع العمليات العسكرية، وإضعاف الموارد الاقتصادية، وتقييد حركة المواطنين، قد يزيد الضغط على مؤسسات السلطة ويضعف قدرتها على تقديم الخدمات والحفاظ على الاستقرار. وإذا تزامنت هذه التطورات مع إجراءات سياسية أو مالية إضافية، فقد تدخل السلطة في أزمة أشد تعقيدًا، تتراجع معها .

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *