
و.ش.ع العراق ۔ أ د صالح العطوان الحيالي
من أروع المواقف التي تُروى عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والتي تُظهر خوفه من الله وعدله وتواضعه، أنه لما عاد من الشام إلى المدينة خرج ليتفقد أحوال الناس بنفسه، بعيدًا عن أعينهم، يريد أن يعرف أخبار رعيته كما هي دون تزيين أو مجاملة.
فمرَّ بعجوز تسكن في خِباءٍ متواضع، فسألها:
ـ ما فعل عمر؟ فقالت:
ـ قد أقبل من الشام سالمًا.فقال:
ـ فما تقولين فيه؟ فقالت:
ـ يا هذا، لا جزاه الله عني خيرًا.
فقال متعجبًا:ـ ولِمَ؟قالت:
ـ لأنه ما أنالني من عطائه منذ ولي أمر المسلمين دينارًا ولا درهمًا.فقال:
ـ وما يدري عمر بحالك وأنتِ في هذا الموضع؟فقالت:
ـ سبحان الله! والله ما ظننت أن أحدًا يلي أمور الناس ولا يدري ما بين مشرقها ومغربها! فبكى عمر رضي الله عنه عند سماع كلامها، وقال:
واعمراه! كل الناس أفقه منك يا عمر."
ثم قال لها:
ـ يا أمة الله، بكم تبيعيني ظلامتك من عمر؟ فإني أرحمه من النار.فقالت:
ـ لا تهزأ بنا يرحمك الله.فقال:
ـ لست أهزأ بك.ولم يزل يراجعها حتى اشترى ظلامتها بخمسة وعشرين دينارًا.
وبينما هو كذلك أقبل علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما، فقالا: ـ السلام عليك يا أمير المؤمنين.
فعرفت العجوز أن الرجل الذي كانت تشكو إليه هو عمر نفسه، فوضعت يدها على رأسها وقالت:
واسوأتاه! شتمت أمير المؤمنين في وجهه! فقال لها عمر رضي الله عنه:
ـ لا بأس عليكِ، يرحمك الله.
ثم طلب قطعة جلد ليكتب عليها، فلم يجد، فقطع قطعة من مرقعته التي يلبسها، وكتب فيها:
"بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما اشترى عمر من فلانة ظلامتها منذ ولي الخلافة إلى يوم كذا، بخمسة وعشرين دينارًا، فما تدعي عليه عند وقوفه في المحشر بين يدي الله تعالى فعمر بريء منه."
ثم أشهد على ذلك علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما.
وبعدها دفع الرقعة إلى أحد أبنائه وقال:
"إذا أنا مت فاجعلها في كفني، ألقى بها ربي."
أي قلبٍ كان يحمله عمر؟!
حاكمٌ دانت له الأمصار، وخضعت له الممالك، ومع ذلك كان يخشى أن يسأله الله عن امرأة عجوز في طرف المدينة لم يصلها حقها.
رحم الله الفاروق عمر بن الخطاب، فقد جسّد معنى المسؤولية والعدل والخوف من الله، حتى بقيت سيرته مدرسةً للأجيال، ومثالًا خالدًا للحاكم الذي كان يحاسب نفسه قبل أن يحاسبه الناس.
المصدر
نوادر الخلفاء – إبراهيم زيدان.

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *