17 watching nowالرئيسية / شخصيات عربية وعالمية / عماد الدين زنكي وفتح الرها

عماد الدين زنكي وفتح الرها

14-06-2026 2:24 م  وكالة انباء الشرق العربي 81 views
عماد الدين زنكي وفتح الرها

و.ش.ع      العراق  ۔ أ د  صالح العطوان الحيالي   
الاحد  14 يونيو 2026                 

الملك المنصور ابو المظفر عماد الدين زنكي بن اق سنقر الحاجب بن عبدالله . قائد عسكري وحاكم مسلم حكم أجزاء من بلاد الشام وحارب الصليبين. 
كانت إمارة الرُّها أكبر إمارة احتلها الصليـ...ـبيون أيام الحروب الصلـ..ـيبية، فقد كانت من أقوى الحصون وأشدِّها منعةً في ذلك الزمان. 
أسسها الكونت بلدوين الأول عام 1098م، وكانت أولى الإمارات الصلـ...ـيبية التي أُقيمت في الشرق بعد الحملة الصلـ..ـيبية الأولى، وهي المدينة التي تُعرف اليوم باسم "أورفة" في تركيا. 
وقد تحولت الرها إلى قاعدةٍ عسكريةٍ خطيرة تضيق على المسلمين، وتنطلق منها الحملات على القرى والمدن في العراق والساحل الشامي، حيث مارست جيوشها السلب والنهـ..ـب والقـ..ـتل، حتى أصبحت كأنها خنجرٌ دائم في قلب العالم الإسلامي. 
وكان القائد المجاهد عماد الدين زنكي رحمه الله يدرك تمامًا خطر هذه الإمارة، ويعلم أن بقاءها يعني استمرار تهديد المسلمين لسنوات طويلة، لذلك بدأ يخطط لتحريرها بخطةٍ عسكريةٍ بارعة. 
كان يعلم أن اقتحام الرها في وجود أميرها جوسلين الثاني وقواته سيكون شديد الصعوبة، فقرر أن يستدرجه بعيدًا عنها. 
وفي أواخر شهر ربيع الآخر سنة 539هـ / نوفمبر 1144م، تحرك عماد الدين زنكي بجيشه نحو مدينة آمد، وأظهر للناس أنه ينوي حصارها، بينما كان قد نشر عيونه حول الرها لمراقبة تحركات الصلـ..ـيبيين. 
وما إن رأى جوسلين انشغال زنكي في ديار بكر حتى اطمأن، وغادر الرها على رأس قواته متجهًا إلى تل باشر، بعد أن ترك حماية المدينة لأهلها من الأرمن والسريان والنساطرة واليعاقبة، ومعهم بعض المرتزقة الذين تولوا الدفاع عن القلعة.وهكذا نجحت الخدعة. 
فبمجرد خروج جوسلين، نقلت العيون الأخبار بسرعة إلى عماد الدين زنكي، فتحرك بجيشه فورًا نحو الرها، بينما أرسل حاجبه صلاح الدين الياغيسياني من طريقٍ آخر لتشتيت عيون الصليـ..ـبيين. 
وكانت أغلب تحركات الجيش تتم ليلًا، وفي الليلة التي اقتربوا فيها من الرها كان المطر شديدًا والبرد قارسًا، لكن ذلك ساعد المسلمين أكثر، إذ أعاق مراقبة الصليـ..ـبيين لتحركات الجيش الإسلامي. 
وكان عماد الدين زنكي من أشجع القادة وأقواهم، حتى إنه قبل القتال وضع مائدة للطعام وقال: 
"لا يأكل معي على هذه المائدة إلا من يطعن غدًا معي على باب الرها." 
وكان يقصد بذلك أشجع الفرسان، لأن أول من يصل إلى باب المدينة يكون أقرب الناس إلى الموت.فلم يجلس معه إلا أميرٌ واحد وصبي صغير.فقال الأمير للصبي: 
"ما أنت في هذا المقام؟" 
فقال عماد الدين زنكي كلمته المشهورة: 
"دعوه، فوالله إني أرى وجهًا لا يتخلّف عني." 
وبالفعل، حين بدأت المعركة كان ذلك الصبي أول من طعن على باب المدينة، وأول أبطال المعركة. 
أسرع عماد الدين زنكي نحو الرها مستعينًا بالنجائب لزيادة سرعة الجيش، ودعا المسلمين إلى الجهـ..ـاد، فتدفقت جموع المتطوعين لنصرته. 
ومع بزوغ فجر يوم 28 ربيع الآخر سنة 539هـ / 25 نوفمبر 1144م، فوجئ الصلـ...ـيبيون بأن جيوش المسلمين قد أحاطت بالرها من جميع الجهات. 
فرض عماد الدين زنكي حصارًا كاملًا على المدينة، وحاول أولًا أن يفتحها سلميًا، فراسل أهلها عارضًا عليهم الأمان إن سلّموا المدينة دون قتال، لكنه قوبل بالرفض.عندها بدأ الحصار الحقيقي. 
فنُصبت المجانيق وآلات الحصار الضخمة، وبدأ القصف المركز على الأسوار، بينما حاول جوسلين طلب النجدة من الإمارات الصلـ..ـيبية. 
لكن الاستجابة كانت ضعيفة ومتأخرة. 
بل حاول بنفسه أن يدخل المدينة أو يرسل تعزيزات إليها، إلا أن قوات المسلمين منعته من ذلك. 
واستمر الحصار ثمانيةً وعشرين يومًا كاملة. 
حتى جاء يوم 26 جمادى الآخرة سنة 539هـ / 23 ديسمبر 1144م، فأذن الله بانهيار جزءٍ كبير من سور المدينة تحت شدة الضرب. 
فاندفعت قوات المسلمين إلى داخل الرها، وسقطت المدينة أخيرًا، ثم استسلمت القلعة بعد يومين فقط، وقام القس اليعقوبي برصوما بتسليمها إلى عماد الدين زنكي. 
وكان سقوط الرها صدمةً هائلة للعالم الصلـ...ـيبي، حتى اعتبره المؤرخون بداية النهاية للمشروع الصليـ..ـبي في الشرق، إذ أعاد هذا النصر الثقة إلى المسلمين بعد سنوات طويلة من الضعف واليأس. 
ومن آثار هذا الفتح العظيم أن أوروبا أطلقت بعده الحملة الصليـ...ـبية الثانية خوفًا من صعود قوة المسلمين من جديد. 
رحم الله عماد الدين زنكي، فقد كان من الرجال الذين أعادوا للأمة روح الجهاد والعزة بعد أن ظن الناس أن الصلـ...ـيبيين لا يُهزمون.  


Share:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *