وكالة أنباء الشرق العربي - و.ش.ع

Header
collapse
الرئيسية / مــقالات / سيناء بين الإنجاز والعبور.. هل تكتمل التنمية حين تُفتح الطرق أمام الناس؟

سيناء بين الإنجاز والعبور.. هل تكتمل التنمية حين تُفتح الطرق أمام الناس؟

أبريل 19, 2026  Mohamed Abd Elzaher 175 views
سيناء بين الإنجاز والعبور.. هل تكتمل التنمية حين تُفتح الطرق أمام الناس؟

و۔ش۔ع              القاهرة ۔ حسين السمنودي

الاحد 19 ابرايل 2026 

لم تكن زيارة مصطفى مدبولي إلى أرض الفيروز مجرد جولة تفقدية عابرة، ولا افتتاحًا تقليديًا لمشروعات تُضاف إلى سجل الإنجازات، بل حملت في طياتها رسائل أعمق تتجاوز الحجر والبناء إلى الإنسان والانتماء، وإلى سؤال ظل معلقًا لسنوات: ماذا بعد؟
سيناء التي دفعت ثمنًا غاليًا في معركة الوجود، ووقفت صامدة في وجه الإرهاب، تنتظر اليوم معركة من نوع آخر، معركة التنمية الحقيقية، التي لا تكتمل فقط بالمصانع والطرق والكباري، بل تتطلب فتح الأبواب أمام المصريين ليكونوا جزءًا من هذا الحلم، لا مجرد متفرجين عليه.
إن الحديث عن توطين المصريين في سيناء لا يمكن فصله عن قضية حرية الحركة والدخول والخروج، تلك القضية التي ظلت لسنوات حجر عثرة أمام أي محاولة جادة لجذب السكان والاستثمار. فكيف يمكن لمواطن أن يفكر في الاستقرار في أرضٍ لا يستطيع دخولها أو مغادرتها بسهولة؟ وكيف يمكن لمستثمر أن يغامر برأس ماله في منطقة تحكمها إجراءات معقدة قد تعطل أبسط تفاصيل الحياة اليومية؟
زيارة رئيس الوزراء أعادت فتح هذا الملف من جديد، ووضعت الجميع أمام مسؤولية حقيقية: هل آن الأوان لتخفيف القيود على الكباري والمعديات؟ هل يمكن أن نشهد مرحلة جديدة تُوازن بين متطلبات الأمن القومي وحقوق المواطنين في الحركة والعمل والحياة الكريمة؟
لا شك أن الدولة المصرية، بقيادة عبد الفتاح السيسي، خاضت حربًا شرسة ضد الإرهاب في سيناء، وكان لزامًا أن تُفرض إجراءات استثنائية لحماية الأرض والإنسان. لكن مع استقرار الأوضاع الأمنية بشكل كبير، ومع حجم المشروعات القومية التي تم ضخها في المنطقة، أصبح من الضروري إعادة النظر في هذه الإجراءات، ليس بإلغائها، ولكن بإعادة صياغتها بما يخدم المرحلة الجديدة.
إن تسهيل الدخول والخروج عبر الكباري والمعديات، خاصة في مناطق قناة السويس، ليس رفاهية، بل ضرورة استراتيجية. فسيناء لن تُعمر بالشعارات، بل بالناس. ولن يأتي الناس إلا إذا شعروا بالأمان، ليس فقط من الإرهاب، ولكن من التعقيدات الإدارية التي قد تكون في بعض الأحيان أشد قسوة من الخطر نفسه.
المشروعات التي تم افتتاحها في الزيارة الأخيرة تمثل خطوة مهمة في طريق التنمية، لكنها تظل ناقصة إذا لم تُستكمل بحزمة من القرارات الجريئة التي تفتح المجال أمام المصريين للاستقرار والعمل. نحن بحاجة إلى رؤية شاملة، تبدأ من تسهيل الإجراءات، وتمر بتوفير الخدمات الأساسية، وتنتهي ببناء مجتمع متكامل يشعر فيه المواطن أنه في وطنه، لا في منطقة استثنائية.
ولا يمكن إغفال دور المجتمع نفسه في هذه المعادلة. فالتنمية ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل مسؤولية مشتركة بين الحكومة والمواطنين والمستثمرين. وعلى الإعلام أن يلعب دوره في نقل الصورة الحقيقية لسيناء، بعيدًا عن المبالغات أو التهوين، وأن يُبرز الفرص المتاحة بدلًا من التركيز فقط على التحديات.
كما أن توطين المصريين في سيناء يتطلب حوافز حقيقية، مثل تسهيلات في تملك الأراضي، دعم للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتوفير فرص عمل حقيقية، وليس مجرد وعود. فالمواطن بطبيعته يبحث عن الاستقرار، ولن يغامر بالانتقال إلى منطقة جديدة إلا إذا وجد فيها مستقبلًا واضحًا له ولأبنائه.
وفي خضم هذا المشهد الذي تتقاطع فيه الطموحات الكبرى مع التحديات اليومية، تظل الحقيقة التي لا يمكن القفز فوقها أن معاناة المواطن البسيط عند المعابر والمعديات أصبحت جرحًا مفتوحًا في جسد هذا المشروع الوطني الكبير. فبينما تُقام المشروعات وتُرصف الطرق وتُضاء المدن الجديدة، يقف المواطن لساعات طويلة أمام إجراءات مشددة، واستيقافات متكررة، وتعقيدات قد تدفعه في كثير من الأحيان إلى اتخاذ قرار العودة من حيث أتى، وكأن الطريق إلى سيناء ما زال محفوفًا بعقبات غير مرئية، لا تقل صعوبة عن تلك التي كانت في سنوات الخطر.
إن التشدد الأمني، رغم تفهم أسبابه ودوافعه في فترات سابقة، بات اليوم بحاجة إلى مراجعة واعية توازن بين ضرورات الأمن وحقوق الإنسان في الحركة الكريمة. فليس من المنطقي أن تتحول رحلة العبور إلى اختبار صبر يومي، ولا أن يشعر المواطن أنه موضع شك دائم لمجرد رغبته في المرور أو الاستقرار. هذه الحالة من الإرهاق النفسي والبدني لا تؤثر فقط على الأفراد، بل تنعكس سلبًا على فكرة التوطين نفسها، وتبعث برسالة غير مباشرة مفادها أن الطريق إلى سيناء ما زال مغلقًا أمام الكثيرين.
وإذا كنا نتحدث بصدق عن تعمير سيناء، فعلينا أن نبدأ من الإنسان، من إحساسه بالترحيب لا بالمنع، بالاحتواء لا بالتوجس، بالثقة لا بالريبة. فالتنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد الكباري التي تُبنى، بل بعدد الناس الذين يعبرونها دون خوف أو معاناة. ولا تُقاس بحجم الاستثمارات فقط، بل بقدرة المواطن العادي على أن يعيش حياته بشكل طبيعي دون أن يشعر أنه يخوض معركة يومية لمجرد التنقل.
إن إعادة النظر في آليات التفتيش والإجراءات على المعابر والمعديات لم تعد رفاهية، بل ضرورة وطنية ملحة. نحتاج إلى تطوير منظومة ذكية، تعتمد على التكنولوجيا، وتُسرّع الإجراءات، وتحفظ كرامة المواطن، دون أن تُفرط في الأمن. نحتاج إلى تدريب كوادر بشرية تدرك أن دورها ليس فقط الحماية، بل أيضًا التيسير، وأن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالتعقيد، بل بالوعي والانضباط والتوازن.
كما أن فتح قنوات تواصل مباشرة مع المواطنين لسماع شكواهم ومقترحاتهم يمكن أن يكون خطوة مهمة نحو بناء الثقة المفقودة. فالمواطن حين يشعر أن صوته مسموع، وأن معاناته محل اهتمام، يكون أكثر استعدادًا للمشاركة في مشروع التعمير، وأكثر قدرة على تحمل التحديات.
وفي النهاية، تبقى سيناء اختبارًا حقيقيًا لقدرتنا على تحويل الحلم إلى واقع. فإما أن ننجح في خلق بيئة جاذبة يعيش فيها المواطن بكرامة وسهولة، وإما أن نظل ندور في دائرة الإنجاز غير المكتمل. إن اللحظة تستدعي شجاعة القرار، ووضوح الرؤية، وإرادة حقيقية لتغيير الواقع، لا الاكتفاء بتجميله.
سيناء لا تحتاج فقط إلى مشروعات تُفتتح، بل إلى أبواب تُفتح، وقلوب تُطمئن، وطرق تُعبد للإنسان قبل أي شيء آخر. وحين يشعر المواطن أن الطريق إلى سيناء أصبح سهلًا وآمنًا وكريمًا، عندها فقط يمكن أن نقول إننا بدأنا الطريق الصحيح نحو تعميرها، لا بالكلام، بل بالفعل.


Share:

Leave a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Your experience on this site will be improved by allowing cookies Cookie Policy