
و.ش.ع القاهرة ۔ مني منصور السيد
الثلاثاء 26 مايو 2026
الحج ليس مجرد رحلة جغرافية يقطع فيها الإنسان الفيافي والبحار، بل هو هجرة روحية تهاجر فيها القلوب من ضيق الدنيا إلى سعة القرب الإلهي، وفي كل عام، تتجه أنظار العالم نحو البقاع المقدسة، حيث تتجلى أسمى معاني الوحدة الإنسانية والعبودية الخالصة لله تعالى، لتتشكل من خلال تلك الحشود الملبية لوحة بشرية فريدة لا نظير لها في التاريخ.
تبدأ قصة الحج من ذلك النداء الأزلي الذي أطلقه أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام في وادٍ غير ذي زرع، حين أُمر أن يؤذن في الناس بالحج ليأتوا من كل فج عميق، وهو النداء الذي تخطى القرون والأزمان، ولا يزال يتردد صداه في أفئدة الملايين الذين يلبون بقلوب خاشعة معلنين تجردهم من مشاغل الدنيا ومتاعها الزائل، ليقفوا عند مواقيت الإحرام مجردين من ثيابهم المعتادة، مرتدين لباساً أبيض يلتف به الجسد، في مشهد يسقط كل الفوارق الطبقية والاجتماعية بين البشر، فلا فضل لأحد على آخر إلا بالتقوى، في صورة تذكر بيوم الحشر الأكبر حيث تزول المظاهر وتتبقى السرائر.
وتتسارع أحداث هذه الرحلة الإيمانية لتطوف بالقلوب حول الكعبة المشرفة، في أولى محطات العهد، حيث يندمج الطائفون في حركة دائرية متناغمة، ملتمسين العفو والرحمة، لينطلقوا بعدها بين الصفا والمروة مستحضرين قصة السيدة هاجر وهي تبحث عن أسباب الحياة في قلب الصحراء، ليكون هذا السعي رمزاً للمجاهدة البشرية الدؤوبة في الحياة مع اليقين الكامل بأن الفرج يأتي دائماً من عند الخالق، حتى إذا ما أشرقت شمس التاسع من ذي الحجة، تجلى الموقف الأعظم على صعيد عرفات، وهو جوهر الحج وذروة سنامه، حيث يقف الحجيج في دويّ واحد تختلف لغاتهم وتتحد دعواتهم ومطلبهم الأسمى هو المغفرة والعتق من النار، في يوم مبارك تتنزل فيه الرحمات ويباهي الله بعباده ملائكة السماء.
ومع مغيب شمس عرفة، تتدفق جموع الحجيج نحو مزدلفة ومِنى لتمضية أيام التشريق ورجم الشقاق، ليتعلم الإنسان من هذه المناسك المتعاقبة فقه التعايش والصبر على المشاق، وتوقير الآخر والرفق بالضعيف، فالإسلام أراد من هذا التجمع الإنساني السنوي الأكبر أن تذوب فيه الهويات الضيقة لتتألق الهوية الإنسانية والإيمانية الكبرى، في رحلة تربوية تعيد بناء الذات وتصحح مسار الروح، ليعود المرء بعد تلك الرحلة المقدسة بنقاء الفطرة الأولى، صُقلت نفسه بالأنوار وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *