
و.ش.ع العراق ۔ أ د صالح العطوان الحيالي
على الرغم من خضوع أمراء الطوائف لمسيــحيي الشمال، وتحكيمهم في كثير من قضاياهم، وتسابقهم على استرضائهم وعقد التحالفات معهم، ودفع الأموال الجزيلة لهم، إلا أن كل ذلك لم يزد ألفونسو السادس إلا عنجهيةً وتكبّرًا في مطالبه.
فأرسل ألفونسو وزيره اليهودي "ابن شاليب" إلى المعتمد بن عباد، ملك إشبيلية وقرطبة، ليأخذ منه الجزية السنوية، وليطلب منه طلبًا عجيبًا يكشف مقدار الذل الذي وصلت إليه ملوك الطوائف آنذاك.
فقد طلب ألفونسو السادس من المعتمد أن يفتح له أبواب جامع قرطبة، أكبر مساجد العالم الإسلامي في ذلك العصر، لكي تأتي زوجته ملكة قشتالة وتضع مولودها عند منبر المسجد!
تعجب المعتمد بن عباد من هذا الطلب المستفز، وزاد الأمر سوءًا عندما أساء الوزير ابن شاليب الأدب في مجلسه وأمام وزرائه وعلمائه، ثم نظر إلى أموال الجزية وقال ساخرًا:
لا تظنوني بسيطًا لأقبل مثل هذه النقود، لا آخذ إلا الذهب الخالص، والسنة القادمة ستكون مدينًا لنا!»،عندها بلغ السيل الزبى، فاستل المعتمد سيفه وضرب عنـ..ـق الوزير في مجلسه، ثم أرسل رأسه إلى ألفونسو السادس مرفقًا برسالة مختصرة:
"لا جزية لك بعد اليوم، فاصنع ما بدا لك." ،فاستشاط ألفونسو غضبًا، وسار بجيشه إلى إشبيلية، وضرب عليها حصارًا طويلًا.وأثناء الحصار بعث إلى المعتمد رسالة يسخر منه فيها، جاء فيها:
"لقد آذاني الذباب حول مدينتك، فإن شئت فأرسل إليّ مروحة أروح بها عن نفسي."،فأخذ المعتمد الرسالة، وكتب على ظهرها ردًا قصيرًا هزّ ملك قشتالة بأكمله:
"والله لئن لم ترجع لأروحنَّ لك بمروحة من المرابطين."
وما إن قرأ ألفونسو اسم المرابطين حتى أمر جيشه بالانسحاب الفوري من أسوار إشبيلية والعودة إلى حصونه في قشتالة.
ثم حاول لاحقًا أن يخاطب أمير المرابطين يوسف بن تاشفين بنفس أسلوب التهديد الذي اعتاد استخدامه مع ملوك الطوائف، فبعث إليه رسالة طويلة مليئة بالوعيد.
فأمر يوسف بن تاشفين كاتبه أن يكتب على ظهر الرسالة:
"من أمير المسلمين يوسف إلى أذفونش، أما بعد، فإن الجواب ما تراه بعينك، لا ما تسمعه بأذنك."
وبعد تلك الحادثة أدرك المعتمد بن عباد أن الخطر لم ينتهِ، فدعا ملوك الطوائف إلى اجتماع طارئ ضم اثنتين وعشرين دويلة أندلسية.
وفي المجلس روى لهم ما جرى مع ألفونسو، وكيف تغيّر موقفه فور سماعه باسم المرابطين، ثم حذرهم من أن ملك قشتالة لن يتوقف حتى يقضي على الوجود الإسلامي في الأندلس.
واقترح المعتمد أن تُرسل سفارة إلى يوسف بن تاشفين تطلب منه العون والنصرة.لكن الاقتراح قوبل برفض شديد من كثير من الحاضرين، حتى صرخ أحدهم:
"أتريد أن تجلب إلينا هؤلاء البدو من رعاة الإبل؟! فإن انتصروا على ألفونسو استولوا على بلادنا وسلبونا ملكنا!"
عندها وقف المعتمد بن عباد بين الحضور وقال كلمته الخالدة التي حفظتها كتب التاريخ:
"والله لأن أرعى الإبل في صحراء المغرب خيرٌ لي من أن أرعى الخـ...ـنازير في أوروبا." كانت كلمة صادقة خرجت من قلب رجل أدرك أن ضياع الملك أهون من ضياع الدين والأمة.
وعلى إثر ذلك، أرسل أهل الأندلس وأمراؤها الرسائل إلى يوسف بن تاشفين يستغيثون به، فاستجاب لهم، وعبر البحر بجيش المرابطين إلى الأندلس.
واتحدت جيوش المسلمين تحت راية واحدة، وسارت حتى وصلت إلى سهل الزلاقة. وفي المقابل احتشد ألفونسو السادس بجيش ضخم جمعه من مختلف أنحاء أوروبا.
وهناك، في سهل الزلاقة سنة 479هـ / 1086م، دارت واحدة من أعظم معارك الإسلام في الأندلس.وانتهت المعركة بانتصار ساحق للمسلمين، وهزيمة قاسية لألفونسو السادس وجيشه، حتى كادت الممالك المسيـ..ـحية تفقد القدرة على مواصلة التوسع سنوات طويلة. وكانت الزلاقة نقطة تحول كبرى أوقفت الزحف المسيحي نحو الجنوب، وأثبتت أن وحدة المسلمين قادرة على تغيير مجرى التاريخ مهما بلغت قوة الأعداء.
المصدر
كتاب معركة الزلاقة، محمود غريب جودة، دار الطلائع للنشر والتوزيع والتصدير، 2000م.

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *