
و۔ش۔ع القاهرة۔ حسين السمنودي
الاثنين 20 ابرايل 2026
في زمنٍ أصبحت فيه الحدود تُغلق، والإنسان يُقاس بجنسيته قبل إنسانيته، بقيت مصر حالة فريدة لا تشبه إلا نفسها. دولةٌ لم تجعل من الجغرافيا جدارًا، ولا من الأزمات سببًا للانغلاق، بل اختارت—كما اعتادت عبر تاريخها—أن تكون ملاذًا لكل من ضاقت به الأرض، وأن تفتح أبوابها قبل أن تُفتح ملفات الشروط والتعقيدات.
على أرض مصر، عاش الملايين من الأشقاء وغيرهم، لا كلاجئين على هامش الحياة، بل كأفراد داخل نسيج مجتمع حيّ. التحق أبناؤهم بالمدارس، وتلقوا العلاج في المستشفيات، وشاركوا في سوق العمل، وتحركوا بحرية نسبية قد لا تتوفر في دول أكثر ثراءً وإمكانات. لم يكن ذلك ترفًا سياسيًا، بل انعكاسًا حقيقيًا لقيم راسخة في وجدان هذا الشعب: الشهامة، والنجدة، واحترام الإنسان.
لكن وسط هذا المشهد الإنساني، تبرز حقيقة لا يمكن تجاهلها: ما تتحمله مصر ليس بالأمر الهين. فالدولة التي تواجه تحديات اقتصادية عالمية، وارتفاعًا في تكاليف المعيشة، وضغوطًا على مواردها الأساسية، وجدت نفسها تتحمل أعباءً إضافية في قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية والخدمات. مدارس تستوعب أعدادًا تفوق طاقتها، ومستشفيات تستقبل يوميًا حالات تتزايد، وشبكات خدمات تعمل تحت ضغط مستمر—وكل ذلك في ظل سعي الدولة لتوفير حياة كريمة للمواطن المصري أولًا.
ورغم ذلك، لم تغلق مصر بابها… ولم تغيّر وجهها.
غير أن الكرم، مهما بلغ، لا يمكن أن يكون مرادفًا للفوضى، ولا يمكن أن يتحول إلى مبرر للتجاوز. فمصر التي احتضنت الجميع، لن تقبل أن يُساء إلى شعبها على أرضها، ولن تسمح بأن يُستغل خيرها في الإضرار بأبنائها. من يعيش في هذا الوطن، له كل الحقوق التي تليق بإنسانيته، لكن عليه أيضًا واجبات واضحة لا تقبل الجدل: احترام القانون، الحفاظ على السلم المجتمعي، عدم الإساءة للمؤسسات الوطنية، وعدم التعدي على قيم المجتمع.
القضية ليست في وجود الآخر، بل في سلوك البعض. فالتجارب أثبتت أن الأغلبية تحترم وتقدّر، لكن التجاوزات الفردية—مهما كانت محدودة—تترك أثرًا واسعًا، وتخلق حالة من الاحتقان لدى المواطن الذي يشعر أحيانًا أن نصيبه من الخدمات والفرص يتآكل تحت ضغط الواقع.
وهنا، يصبح السؤال مشروعًا: كيف نوازن بين إنسانيتنا وحقوقنا؟ كيف نحافظ على صورة مصر كبلد يحتضن الجميع، دون أن يشعر أبناؤها بالضيق أو التهميش داخل وطنهم؟
الإجابة ليست في الانغلاق، وليست في الإقصاء، بل في ضبط المعادلة. دولةٌ قوية بقانونها، عادلة في توزيع مواردها، حاسمة في مواجهة أي تجاوز—أيًا كان مصدره. فلا أحد فوق القانون، ولا أحد يُحاسب بغير العدل.
المصريون لم يعتادوا يومًا أن يتركوا أوطانهم، ليس لأن الفرص لا توجد خارجها، بل لأن الانتماء هنا أعمق من مجرد حسابات مادية. هذه الأرض ليست فندقًا نقيم فيه، بل جزء من هويتنا وذاكرتنا ودمنا. لذلك، فإن الدفاع عنها ليس اختيارًا، بل واجبًا فطريًا، يتوارثه الأجيال دون وصاية.
مصر لم تكن يومًا عبئًا على أحد، لكنها أيضًا لن تقبل أن تُصبح عبئًا على أبنائها. ستظل كما كانت: وطنًا للكرامة، وسندًا للمحتاج، وملاذًا للإنسان… لكن في إطار من العدل الذي لا يُفرّط، والقانون الذي لا يُساوم.
الرسالة واضحة: من جاء إلى مصر مرحبًا به، ومن عاش فيها فله الأمان، لكن الاحترام ليس خيارًا، بل شرطًا. ومن يخطئ، فالقانون هو الحكم، لا العاطفة ولا المجاملة.
وفي ختام ذلك، تبقى الحقيقة التي لا تقبل الجدل أن مصر لم تكن يومًا مجرد وطن يعيش فيه أبناؤه، بل كانت دائمًا فكرة كبرى وقيمة إنسانية قبل أن تكون حدودًا جغرافية. قوة هذا البلد لم تأتِ فقط من موقعه أو تاريخه، بل من طبيعة شعبه الذي اختار أن يكون رحيمًا دون ضعف، كريمًا دون منّة، وقويًا دون ظلم.
مصر حين فتحت أبوابها، لم تكن تبحث عن مقابل، ولم تنتظر شكرًا، لكنها في المقابل لا تقبل أن يُساء إلى هذا العطاء، ولا أن يتحول الحلم الذي تمنحه للآخرين إلى عبء على أبنائها. فالوطن الذي يحتضن، من حقه أن يُحترم، والشعب الذي يعطي، من حقه أن يشعر بالأمان في أرضه، وأن يرى خير بلده يعود عليه لا يُنتزع منه.
إن المعادلة التي يجب أن يدركها الجميع واضحة وبسيطة: مصر بلد يتسع للجميع… لكنه لا يتنازل عن حق أبنائه. بلدٌ يمد يده بالخير… لكنه لا يسمح أن تُعض هذه اليد. بلدٌ يفتح أبوابه… لكنه لا يقبل أن يُكسر بابه من الداخل.
ومن هنا، فإن بقاء مصر قوية لا يتحقق فقط بما تقدمه الدولة من سياسات، بل بما يحمله شعبها من وعي. وعيٌ يفرّق بين الإنسانية السامية والفوضى، بين الاحتواء المشروع والتجاوز المرفوض، بين الحق في الاستضافة وحق السيادة. هذا الوعي هو الضامن الحقيقي لاستمرار مصر كما عرفها التاريخ: بلدًا لا يُهزم من الداخل، ولا يُكسر من الخارج.
وإذا كانت الأيام قد أثبتت أن مصر كانت دائمًا الملاذ حين تضيق الأوطان، فإنها أيضًا أثبتت أن المصري لا يفرّط في وطنه مهما اشتدت الأزمات. لأنه ببساطة يعرف أن الأرض التي تصونه، لا تُترك، وأن الوطن الذي يحمي كرامته، لا يُستبدل.
ستظل مصر كما هي… قلبًا كبيرًا يتسع، ويدًا قوية تحمي، وراية لا تنحني.
وستبقى القاعدة الراسخة التي لا تتغير: الكرامة أولًا… ومصر دائمًا للمصريين في الحق، وللإنسانية في العدل، وللتاريخ في المجد.


Leave a comment
Your email address will not be published. Required fields are marked *