
و.ش.ع اليمن ۔ أ د عمر علي الهراش
السبت 06 يونيو 2026
موقف دول الخليج العربي من الحرب الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يمر بـ أعقد مرحلة اختبار استراتيجي وأمني منذ عقود.
على الرغم من رغبة العواصم الخليجية التاريخية في كبح النفوذ الإيراني، إلا أن اندلاع المواجهة العسكرية المباشرة وضع دول الخليج في مرمى النيران؛ حيث تعرضت منشآت حيوية ومطارات مدنية في دول مثل الكويت والبحريين والإمارات لهجمات صاروخية وبطائرات مسيرة من قِبل طهران (ردّاً على ما وصفته إيران بالضربات الأمريكية المنطلقة من قواعد بالمنطقة أو استهداف سفنها التجارية).
يتلخص الموقف الخليجي الراهن في محددات أساسية تحكمها "دبلوماسية حافة الهاوية" وحسابات البقاء الاقتصادي:
1. التمسك بـ "التحوّط" ورفض الانجرار إلى الصراع
تدرك دول الخليج تماماً أن "الخطوة الوحيدة الرابحة هي ألا تلعب". الاستراتيجية الخليجية العامة تقوم على عدم الدخول كأطراف مباشرة في الحرب، ورفض الانجرار إلى فخ المواجهة الشاملة الذي قد يستنزف مقدراتها الاقتصادية.
الهدف الأعلى: حماية المنجزات الاقتصادية ورؤى التطوير المستقبلية (مثل رؤية السعودية 2030 والمشاريع الاستثمارية الكبرى في الإمارات وقطر)، والتي تتطلب استقراراً أمنياً مطلقاً لجذب الاستثمارات والسياحة.
2. الإدانة الدبلوماسية المشتركة وبناء جدار دفاعي
مع استمرار الهجمات الإيرانية المتكررة التي استهدفت مؤخراً بنى تحتية ومطارات مدنية ومقرات دبلوماسية في الكويت والبحرين (والتي بررتها طهران بأنها رد على قواعد أمريكية أو أخطاء اعتراض من منظومات "باتريوت")، جاء الموقف الخليجي حازماً على الصعيد السياسي:
التضامن والدفاع المشترك: أصدر مجلس التعاون الخليجي في اجتماعاته الوزارية الطارئة إدانات شديدة اللهجة، معتبراً أن أمن دول الخليج كلٌّ لا يتجزأ، وأن الاعتداء على أي دولة هو اعتداء على الجميع.
كفاءة الاعتراض الميداني: فعّلت دول الخليج منظومات دفاعها الجوي بأعلى درجات الجاهزية لحماية أجوائها ومواطنيها، ونجحت في اعتراض الجزء الأكبر من التهديدات، مع الاحتفاظ بحق الرد القانوني والدفاع الشرعي عن النفس وفق المواثيق الدولية.
3. رفض استخدام الأجواء والأراضي للهجوم على إيران
منعاً لتوسيع رقعة الحرب، حرصت عواصم خليجية كبرى على إبلاغ واشنطن بوضوح أنها لن تسمح باستخدام أجوائها أو قواعدها العسكرية لشن هجمات هجومية مباشرة ضد الأراضي الإيرانية. دول الخليج لا تريد أن تظهر بمظهر "المنطلق" للحرب الإسرائيلية-الأمريكية ضد طهران، لتجنب دفع الفاتورة الأمنية نيابة عن الآخرين.
4. إبقاء قنوات الدبلوماسية مفتوحة (الدور العُماني والقطري)
بالتوازي مع الاستعداد الدفاعي، تقود دول مثل سلطنة عُمان ودولة قطر جهود وساطة مكثفة ومستمرة خلف الكواليس بين واشنطن وطهران.
الغاية الحالية: الدفع نحو بلورة "مذكرة تفاهم" أو تمديد اتفاقيات الهدنة ووقف إطلاق النار، وتأمين ممرات الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز، حيث ترى العواصم الخليجية أن الحل الدبلوماسي هو المسار الوحيد المستدام لإنهاء حالة الانكشاف الاستراتيجي الحالية.
5. الحذر من تذبذب الحماية الأمريكية والتوجه شرقاً
الحرب الحالية رسخت قناعة خليجية بأن الاعتماد المطلق على المظلة الأمنية الأمريكية ينطوي على مخاطر كبيرة، خاصة مع تزايد كلفة التصعيد ومحاولة واشنطن وإسرائيل فرض مسارات تخدم مصالحهما بالدرجة الأولى. لذلك، تستثمر دول الخليج في بناء شراكات استراتيجية موازية مع الصين وروسيا، والتقارب الاستراتيجي مع أوروبا للضغط باتجاه خفض التصعيد وحماية أسواق الطاقة العالمية.
خلاصة الموقف:
تقف دول الخليج اليوم في مربع "الضبط الاستراتيجي للنفس". هي تدين بقوة الانتهاكات الإيرانية لسيادة الدول الأعضاء، لكنها ترفض في الوقت عينه أن تحترق في أتون حرب أمريكية-إسرائيلية ضد إيران؛ فالمعركة بالنسبة للخليج هي معركة حماية الأمن الداخلي وتأمين الممرات البحرية والاقتصاد، وليست معركة لتغيير الخرائط الإقليمية بالقوة.
بقلم أ د عمر علي الهراش

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *