9 watching nowالرئيسية / شعر وادب / حيرةُ الروح "خاطرة"

حيرةُ الروح "خاطرة"

07-08-2026 5:37 م  وكالة انباء الشرق العربي 301 views
حيرةُ الروح "خاطرة"

و.ش.ع       الاردن  ۔ د. عطاف الخوالدة  

دراسة نقدية للدكتور الناقد طارق العابودي آفاق الحب
[<<<<<__حيرةُ الروح__>>>>>]
“خاطرة” 

احتارُ قلبي، والسؤالُ يؤرِّقُ الأزمانْ،....
وروحي تُعانقُ في الدعاءِ عَنانَ السماءِ بإيمانْ......

أتساءلُ: كيفَ مضتْ بنا الأيامُ مسرعةً،.....
كأنَّها وحشٌ جريحٌ يلتهمُ الإنسانْ؟.....

أرى وجوهًا تضحكُ، والأغاني.               تملأُ المدى،.....
ووجوهًا أخرى يكسوها الجوعُ والحرمانْ.......

على ضفافِ النهرِ قهرٌ لا يفارقُ.  موجَهُ،....
وفي رؤوسِ الجبالِ عرسٌ.                  يزهو بالألحانْ.....

فأيُّ صوتٍ يبلغُ الأسماعَ.              أصدقَ نبرةٍ؟....
أنشيدُ الفرحِ، أم أنينُ.                القلبِ الحيرانْ؟....

ورأيتُ قطراتِ الندى.                 تبكي على خدِّ الورودِ،.....
وتُقبِّلُ أوراقَ الأزهارِ في.                    صمتٍ وامتنانْ......

فعلمتُ أنَّ الكونَ يسبِّحُ.                 خالقَهُ سرًّا،.....
وأنَّ الصبرَ مفتاحُ الفرجِ.     والإحسانْ.......

يا ربَّ هذا الكونِ، إن.               ضاقتْ بنا الدنيا،.....
فأنتَ الرحيمُ، وأنتَ ملجأُ.                      كلِّ إنسانْ......

فازرعْ بقلوبِ الخلقِ رحمةً.                       لا تنطفئُ،.....
واجعلْ المحبةَ جسرًا يربطُ.   الأوطانْ.......

وسيبقى الرجاءُ فيكَ نورًا.                         لا يخبو أبدًا،....
فبذكركَ تحيا الأرواحُ، ويزهرُ الوجدانْ.....

بقلم الشاعرة.د.عطاف الخوالدة
_______________
دراسة نقدية لقصيدة (حيرة الروح) للشاعرة د. عطاف الخوالدة

تقدم الشاعرة د. عطاف الخوالدة في نص «حيرة الروح» تأملًا وجوديًا يتجاوز حدود الخاطرة التقليدية، إذ تنسج نصًا تتعانق فيه الفلسفة مع الروحانية، ويجاور فيه السؤال الوجودي اليقين الإيماني. فالقصيدة لا تنشغل بوصف حالة شعورية عابرة، بل تفتح بابًا للتأمل في مصير الإنسان، وفي التفاوت الإنساني، وفي العلاقة بين الألم والرجاء، وبين الزمن والإيمان، حتى تصبح الحيرة نفسها وسيلة للوصول إلى الطمأنينة، لا غاية للضياع.
يفتتح النص بقوله: «احتارُ قلبي، والسؤالُ يؤرِّقُ الأزمانْ، وروحي تُعانقُ في الدعاءِ عنانَ السماءِ بإيمانْ»، وهو استهلال بالغ القوة؛ إذ يبدأ بالفعل «احتار» ليجعل الحيرة فعلًا حيًا لا حالة جامدة، ثم يوسعها من ذات الشاعرة إلى «الأزمان»، فيتحول السؤال الفردي إلى سؤال كوني. أما صورة الروح التي تعانق عنان السماء فهي استعارة صوفية تمنح الدعاء هيئة الصعود، وكأن الإيمان ليس ملاذًا بعد الحيرة، بل جناحها الذي يحول القلق إلى ارتقاء.
وفي قولها: «أتساءلُ: كيفَ مضتْ بنا الأيامُ مسرعةً، كأنها وحشٌ جريحٌ يلتهمُ الإنسانْ؟» تبلغ الصورة ذروة توترها؛ فالزمن لا يمر، بل يفترس. واختيار «وحش جريح» تحديدًا يمنح الزمن مفارقة بديعة؛ فهو مؤلم لأنه يتألم، ومفترس لأنه فاقد للسكينة، وكأن الحياة نفسها كائن يتغذى على أعمار البشر.
ثم تنتقل إلى مشهد إنساني مزدوج في قولها: «أرى وجوهًا تضحكُ، والأغاني تملأُ المدى، ووجوهًا أخرى يكسوها الجوعُ والحرمانْ». هنا تقوم البنية على التضاد، وهو من أقوى الوسائل البلاغية في النص. فالضحك يقابل الحرمان، والأغنية تقابل الجوع، لتكشف الشاعرة انقسام العالم بين وفرة مؤقتة وعوز دائم، دون أن تصدر حكمًا مباشرًا، بل تترك الصورة نفسها تنطق.
ويتسع هذا التضاد في قولها: «على ضفافِ النهرِ قهرٌ لا يفارقُ موجَهُ، وفي رؤوسِ الجبالِ عرسٌ يزهو بالألحانْ». النهر، وهو رمز الحياة، يحمل القهر، بينما الجبال، رمز الصلابة، تحتفل. إنها مفارقة ترسم عالمًا فقد عدالته، حيث لم تعد الطبيعة مرآة للتوازن، بل أصبحت انعكاسًا لاختلال الواقع الإنساني.
ثم يأتي السؤال المحوري: «فأيُّ صوتٍ يبلغُ الأسماعَ أصدقَ نبرةٍ؟ أنشيدُ الفرحِ، أم أنينُ القلبِ الحيرانْ؟». هنا تتجسد فلسفة النص؛ فالشاعرة لا تبحث عن انتصار الحزن ولا عن انتصار الفرح، بل عن الصدق. ولذلك يصبح الصوت الحقيقي هو الذي يحمل جوهر التجربة الإنسانية، لا زخرفها.
وفي قولها: «ورأيتُ قطراتِ الندى تبكي على خدِّ الورودِ، وتقبِّلُ أوراقَ الأزهارِ في صمتٍ وامتنانْ» تبلغ اللغة ذروة رهافتها. فالندى يتحول إلى دموع، والوردة إلى وجه، والقبلة إلى صلاة صامتة. هذه الأنسنة للطبيعة تجعل الكون كله شريكًا في التجربة الشعورية، فلا يعود الإنسان وحده من يشعر، بل تصبح الموجودات كلها كائنات وجدانية.
ثم تنتقل القصيدة من التأمل إلى الكشف في قولها: «فعلمتُ أنَّ الكونَ يسبِّحُ خالقَهُ سرًّا، وأنَّ الصبرَ مفتاحُ الفرجِ والإحسانْ». هنا يتحول السؤال إلى معرفة، والحيرة إلى يقين. فالكون كله يدخل في دائرة التسبيح، والصبر لا يقدم كفضيلة أخلاقية فحسب، بل بوصفه قانونًا كونيًا يربط بين الألم والانفراج.
ويأتي الدعاء في قولها: «يا ربَّ هذا الكونِ، إن ضاقتْ بنا الدنيا، فأنتَ الرحيمُ، وأنتَ ملجأُ كلِّ إنسانْ» ليشكل الذروة الروحية للنص. فبعد أن جابت القصيدة ميادين الحيرة والواقع والمفارقة، تعود إلى المركز الذي يفسر كل شيء: الرحمة الإلهية. والدعاء هنا ليس خاتمة شكلية، بل نتيجة منطقية لمسار التأمل كله.
أما قولها: «فازرعْ بقلوبِ الخلقِ رحمةً لا تنطفئُ، واجعلْ المحبةَ جسرًا يربطُ الأوطانْ» فيرتقي بالنص من الذات إلى الإنسانية. فالمحبة تتحول إلى جسر، والرحمة إلى بذرة، وهي صور تجعل القيم الأخلاقية عناصر بنائية تحفظ العالم من التفكك.
ويختتم النص بقوله: «وسيبقى الرجاءُ فيكَ نورًا لا يخبو أبدًا، فبذكركَ تحيا الأرواحُ، ويزهرُ الوجدانْ». إنها خاتمة دائرية تعود إلى النور الذي بدأ به النص ضمنيًا في معانقة السماء، وكأن الرحلة انتهت حيث بدأت، لكن بعد أن تحولت الحيرة إلى بصيرة.
لغة القصيدة لغة شفافة تجمع بين بساطة المفردة وعمق الدلالة. فلا تعتمد على الغموض المصطنع، بل تبني كثافتها من خلال الاستعارة والتشخيص والمقابلة والتوازي الإيقاعي. مفرداتها مألوفة، لكنها حين تدخل في النسيج الشعري تكتسب طاقة رمزية جديدة، فتغدو الندى دموعًا، والزمن وحشًا، والمحبة جسرًا، والرجاء نورًا.كله.

أما أساليبها الفنية فتقوم على تلاحق الاستفهام والتشخيص والدعاء والمقابلة. فالاستفهام يحرك الفكر، والتشخيص يمنح الجمادات روحًا، والمقابلة تكشف تناقضات العالم، والدعاء يعيد التوازن إلى النفس. وبهذا تتكامل الوسائل البلاغية لخدمة رؤية واحدة لا لتزيين العبارة.
ومن الناحية الإيقاعية، فإن النص وإن كان نثريًا، يحمل موسيقى داخلية واضحة تتولد من تكرار البنى، ومن توازن الجمل، ومن تعاقب الصور، ومن نهايات العبارات التي تتردد فيها كلمات مثل: «الأزمان، الإنسان، الألحان، الحيران، الامتنان، الإحسان، الأوطان، الوجدان». وهذا التوازي الصوتي يمنح النص وحدة موسيقية هادئة تشبه نبض التأمل.
ويعبر النص عن رحلة الإنسان الكونية لأنه يبدأ من سؤال فردي ثم يعبر إلى الزمن، فالناس، فالكون، ثم يعود إلى الله. إنها الرحلة نفسها التي يقطعها الإنسان منذ ولادته؛ يبدأ بالحيرة، ويواجه التناقضات، ثم يبحث عن معنى، حتى يجد الطمأنينة في الإيمان والرحمة.
أما «ذبذبة» النص فهي ذبذبة الرجاء المتولد من قلب الحيرة. إنه لا يهتف بصوت عالٍ، ولا يغرق في اليأس، بل يهتز بإيقاع داخلي هادئ يشبه نبض القلب حين يكتشف أن وراء كل سؤال بابًا نحو النور. ولذلك يترك في الوجدان أثرًا طويلًا، لأن القارئ لا يغادره بإجابة جاهزة، بل بإحساس أعمق بالحياة.
وتتجاوز اللغة حدودها لأنها لا تكتفي بوصف الواقع، بل تعيد تشكيله. فالندى لا يعود ماءً، والزمن لا يعود زمنًا، والمحبة لا تبقى شعورًا، بل تتحول كلها إلى رموز للوعي. وهنا تصبح اللغة أداة لاكتشاف الوجود، لا مجرد وسيلة للتعبير عنه، فينتقل القارئ من رؤية الأشياء إلى رؤية معانيها.
والانسجام الروحي في النص يتجلى في أن جميع عناصره، من السؤال إلى الطبيعة، ومن الألم إلى الدعاء، ومن الإنسان إلى الكون، تتحرك نحو مركز واحد هو الرحمة الإلهية. فلا توجد صورة معزولة عن الأخرى، بل تتآزر جميعها لتؤلف سيمفونية روحية تبدأ بالحيرة وتنتهي بالسكينة.
ويسهم النص في خلق وعي إنساني أسمى لأنه يدعو القارئ إلى تجاوز الانقسام بين الذات والآخر، وبين الألم والأمل، وبين الأرض والسماء. إنه يوقظ الإحساس بالمسؤولية الأخلاقية، ويجعل الرحمة والمحبة والإيمان قيمًا وجودية تحفظ إنسانية الإنسان، لا مجرد فضائل وعظية. ولهذا يغدو النص رحلة تأملية تفتح أبواب القلب والعقل معًا، وتؤكد أن الطريق إلى السلام يبدأ من الداخل، ثم يمتد ليشمل العالم
الناقد د طارق العابودي


Share:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *