11 watching nowالرئيسية / دين ودنيا / حين يتحول البلاء إلى طريقٍ إلى الله

حين يتحول البلاء إلى طريقٍ إلى الله

19-07-2026 7:59 ص  وكالة انباء الشرق العربي 389 views
حين يتحول البلاء إلى طريقٍ إلى الله

و.ش.ع           الاسماعلية ۔ حسين السمنودي

ليست كل الكلمات تُقرأ، فبعض الكلمات تُلامس الروح حتى تبكيها، وبعضها يوقظ القلب من غفلته، وبعضها يفتح للإنسان نافذة يرى منها حكمة الله بعد أن ظن أن الدنيا قد أغلقت أبوابها. ومن هذا النور جاءت كلمات فضيلة الدكتور محمد إبراهيم حامد، وكيل وزارة الأوقاف ومدير مديرية أوقاف الشرقية، حين قال:
"إذا أراد الله بالعبد خيرًا ساقه إليه بأسبابٍ يكرهها ليصل العبد إلى غاياتٍ لم يكن يتوقعها، فثق باللطيف الذي يدير كونك، واعلم أن الابتلاء الذي يحيط بك اليوم، ليس إلا حزام أمان يحميك من المهالك حتى تصل بسلام إلى دار السلام."
إنها كلمات ليست مجرد موعظة، وإنما رسالة ربانية تفتح أبواب الأمل في قلوب المنكسرين، وتزرع اليقين في نفوس أثقلها الوجع، وتهمس لكل مبتلى بأن الله لم ينسه، ولم يتركه، وإنما يصنع له من وراء الألم مستقبلًا لا تراه عيناه الآن.
كم من إنسان بكى لأن بابًا أُغلق في وجهه، ثم اكتشف بعد سنوات أن الله كان يمنعه من شرٍ عظيم، وكم من قلب انكسر لفقد عزيز، أو لفشل حلم، أو لضيق رزق، ثم وجد أن كل ذلك كان بداية طريق جديد، أكثر أمنًا، وأقرب إلى الله، وأعظم بركة في الدنيا والآخرة.
إن الإنسان يرى لحظته فقط، بينما يرى الله سبحانه العمر كله، بل يرى ما بعد العمر، ولذلك قد يحزن العبد على أمرٍ لو تحقق له لكان سببًا في شقائه، وقد يفرح بأمرٍ لو ناله لأفسد عليه دنياه وآخرته، فيختار الله له ما يكرهه، لأنه وحده يعلم أين تكمن النجاة.
وحين قال الدكتور محمد إبراهيم حامد: "ثق باللطيف الذي يدير كونك"، فقد اختصر رحلة الإيمان كلها في كلمات قليلة. فاللطيف سبحانه لا يجري أمرًا إلا وفيه لطف، ولا يمنع إلا ليعطي، ولا يؤخر إلا ليهيئ، ولا يبتلي إلا ليطهر ويرفع ويكرم، وإن عجزت العقول عن إدراك الحكمة في بدايات الطريق.
أما العبارة التي تهز القلب حقًا فهي قوله: "الابتلاء الذي يحيط بك اليوم ليس إلا حزام أمان." فما أروع هذا التشبيه، وما أعمق معناه. فكم من ابتلاء ظنه الإنسان قيدًا، فإذا به حماية، وكم من دمعة كانت سببًا في نجاة، وكم من خسارة كانت بابًا إلى أعظم المكاسب، وكم من حرمان كان عين العطاء، ولكن بعد أن يكشف الله الحجاب عن حكمته.
إن المؤمن الحقيقي لا يقيس الأحداث بظاهرها، وإنما يقيسها بثقته في الله، لأنه يعلم أن الله لا يختار لعباده إلا الخير، حتى وإن جاء الخير في ثوب الحزن، وحتى وإن ارتدى العطاء لباس الابتلاء، فالرحمن أعلم بعباده من أنفسهم، وأرحم بهم من أمهاتهم.
ولهذا فإن أهل الله إذا اشتد عليهم البلاء، لم يفروا من ربهم، بل فروا إليه، ولم يزدهم الألم إلا قربًا، ولم تزدهم المحن إلا يقينًا، لأنهم يعلمون أن كل خطوة في طريق الصبر تقربهم من رضا الله، وأن كل دمعة يحتسبونها عنده تتحول يوم القيامة إلى نور لا ينطفئ.
وفي النهاية، سيأتي اليوم الذي يقف فيه الإنسان أمام صفحات عمره، فيجد أن أكثر المواقف التي أبكته كانت أكثرها رحمة، وأن أكثر الطرق التي خاف منها كانت أوصلها إلى النجاة، فيقول بقلب امتلأ رضا: الحمد لله الذي اختار لي، ولم يتركني لاختيار نفسي.
ولعل أعظم ما يحتاجه الإنسان في زمن كثرت فيه الفتن، وتسارعت فيه الابتلاءات، أن يوقن بأن الله لا يبتلي ليعذب، وإنما يبتلي ليهذب، ولا يأخذ إلا ليعطي، ولا يغلق بابًا إلا ليفتح أبوابًا أوسع، ولا يحجب شيئًا إلا لأنه يدخر لعبده ما هو خير وأبقى. فكل وجع يمر بك، وكل دمعة تسقط من عينك، وكل ليلة طال فيها الدعاء ولم يأت الجواب كما أردت، ليست دليلًا على أن الله ابتعد عنك، بل قد تكون الدليل الأعظم على أنه يصنع لك قدرًا أجمل مما تمنيت، ويكتب لك مستقبلًا لم تكن لتصل إليه بقوتك ولا بحيلتك.
فاصبر، ولا تستعجل، وارضَ، ولا تيأس، وأحسن الظن بربك في كل حال، فإن وراء كل محنة منحة، ووراء كل ظلام فجرًا، ووراء كل انكسار جبرًا، ووراء كل ابتلاء اصطفاءً، ووراء كل قدرٍ مؤلم رحمةً لا يعلمها إلا الله. وما دام اللطيف سبحانه هو الذي يدير أمرك، فلا تخف من الطريق، ولو امتلأ بالأشواك، ولا تحزن من التأخير، ولو طال الانتظار، ولا تجزع من البلاء، ولو اشتد ألمه، فإن نهاية الطريق للمؤمنين هي دار السلام، وهناك فقط سيعلم الصابرون أن كل لحظة ألم عاشوها في الدنيا كانت ثمنًا يسيرًا لنعيمٍ لا يفنى، ورضوانٍ من الله أكبر، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾.


Share:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *