
و.ش.ع عدن ۔ أ. د. عمر علي الهراش
الثلاثاء 26 مايو 2026
هذا السؤال يمسّ قلب كل من يحمل حب اليمن في قلبه، وهو تساؤل مشروع يتردد في أذهان الملايين الذين يتطلعون إلى نهاية هذه الحقبة العصبية من تاريخ البلاد.
الإجابة عن مستقبل اليمن لا يمكن صياغتها بالتنبؤات القطعية، لكن يمكن قراءتها من خلال مسارين متوازيين: مسار التحديات الواقعية، ومسار آمال وجذور البناء.
أولاً: التحديات الحالية (عنق الزجاجة)
الواقعية تقتضي الاعتراف بأن الخروج من "النفق المظلم" يواجه عقبات معقدة تتطلب تفكيكاً تدريجياً:
التشظي السياسي والعسكري: غياب الرؤية الموحدة بين الأطراف المختلفة يعقد الوصول إلى تسوية شاملة.
التدخلات والتعقيدات الإقليمية: لطالما كان اليمن متأثراً بالصراعات والتحالفات الإقليمية، مما يجعل حله مرتبطاً أحياناً بملفات أوسع خارج حدوده.
الوضع الاقتصادي والإنساني: انهيار البنية التحتية، وتراجع العملة، والأزمة الإنسانية الشديدة تشكل عبئاً ثقيلاً يؤخر التعافي السريع.
ثانياً: مقومات العودة و"اليمن السعيد"
رغم قتامة المشهد الحالي، إلا أن التاريخ وعناصر القوة الذاتية لليمن تمنح أسباباً حقيقية لعدم فقدان الأمل:
التاريخ الحضاري العريق: اليمن ليس دولة طارئة على التاريخ؛ بل هو مهد حضارات امتلكت دائماً القدرة على النهوض من بين الركام (المرونة التاريخية).
الحيوية المجتمعية والثقافية: يمتلك اليمن طاقات بشرية هائلة، ونخبة فكرية، وإعلامية، وشبابية ترفض الاستسلام لواقع الحرب، وتعمل بجد —حتى في المغترب والشتات— على صياغة هويات وطنية جامعة ومشاريع تنويرية.
الوعي بضرورة الاستقرار: هناك قناعة متزايدة بين كافة الأطراف والعمق الإقليمي بأن استمرار "اليمن المأزوم" يهدد أمن المنطقة بأسرها، مما قد يدفع باتجاه دعم حلول سياسية مستدامة عاجلاً أم آجلاً.
هل سيعود "مُوحداً"؟
شكل الدولة المستقبلي (سواء كان في إطار وحدة اندماجية، أو دولة اتحادية فدرالية، أو أي صيغة سياسية أخرى) هو العقدة الأبرز حالياً.
الوحدة بالشكل القديم (ما قبل 2011) تواجه رفضاً كبيراً في عدة مناطق، خاصة في الجنوب، بسبب تراكمات الماضي.
لكن "اليمن الواحد" بمفهوم التعايش، والتكامل الاقتصادي، والعمق الجغرافي والثقافي يظل هو الخيار الأكثر أماناً واستقراراً للجميع. المستقبل قد لا يعيد اليمن إلى ما كان عليه بالضبط، بل قد ينتج "يمناً جديداً" يعالج أخطاء الماضي ويوائم بين تطلعات كافة أبنائه في الشمال والجنوب.
خلاصة القول:
الخروج من النفق ليس مستحيلاً، فالشعوب الحية لا تموت، واليمن مر بأزمات وجودية عبر تاريخه وتجاوزها. العودة إلى "اليمن السعيد" لن تحدث بضربة حظ أو قرار خارجي، بل عبر مشروع وطني يمني خالص، يتجاوز المصالح الضيقة، ويُعلي قيم المواطنة، وبناء المؤسسات، والخطاب الإعلامي التنويري الذي يجمع ولا يفرق.
بقلم أ. د. عمر علي الهراش

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *