
و.ش.ع عدن ۔ أ د عمر علي الهراش
الخميس 28 مايو 2026
تعتبر السياسة التوسعية الإسرائيلية تجاه العالم العربي ركيزة أساسية في دراسات الأمن القومي والجيوسياسية الشرق أوسطية. وعلى مر العقود، تطورت آليات هذه السياسة من التمدد العسكري الجغرافي المباشر إلى استراتيجيات الهيمنة الاقتصادية والأمنية عبر فرض "التطبيع" كأمر واقع، بدعم استراتيجي غير مشروط من الولايات المتحدة.
فيما يلي دراسة تحليلية تفكك أبعاد الأطماع الإسرائيلية، آلياتها، والدور الأمريكي المحوري في دعمها:
أولاً: الاستراتيجية الإسرائيلية.. من "الجدار الحديدي" إلى "التطبيع القسري"
تتحرك إسرائيل وفق عقيدة أمنية وسياسية تهدف إلى ضمان تفوقها المطلق في المنطقة، وتتخذ أطماعها في السيطرة على المقدرات والبلدان العربية مسارين أساسيين:
1. الاحتلال المباشر وقضم الأراضي (الاستراتيجية الجغرافية)
تاريخياً، ركزت إسرائيل على السيطرة الأرضية المباشرة لتأمين ما تسميه "العمق الاستراتيجي" و"الحدود الآمنة".
التوسع والاستيطان: يظهر هذا بوضوح في استمرار احتلال الضفة الغربية، والقدس الشرقية، والجولان السوري، والتحركات العسكرية المستمرة في قطاع غزة وجنوب لبنان. تهدف هذه السياسة إلى خلق واقع ديمغرافي وجغرافي يصعب التراجع عنه، وتحويل أي كيان فلسطيني أو عربي مجاور إلى معازل ممزقة فاقدة للسيادة.
السيطرة على الموارد: ترتبط الأطماع الجغرافية بالاستيلاء على الموارد الحيوية، وفي مقدمتها مصادر المياه (مثل أحواض الضفة الغربية ونهر الأردن ومياه الجولان) وحقول الغاز والطاقة في شرق المتوسط.
2. الضغط للتطبيع والاختراق الهيكلي (الاحتلال الناعم)
مع استحالة السيطرة العسكرية المباشرة على كامل الجغرافيا العربية نتيجة الكلفة البشرية والاقتصادية والمقاومة المستمرة، طوّرت إسرائيل استراتيجية "السيطرة عبر الاختراق" أو ما يُعرف بـ الهيمنة الإقليمية.
تفكيك الرفض العربي: تسعى إسرائيل من خلال "اتفاقيات أبراهام" ومسارات التطبيع الأخرى إلى نزع الشرعية عن القضية الفلسطينية باعتبارها القضية المركزية للعرب، وتحويل علاقاتها مع الدول العربية من حالة الصراع إلى تحالفات أمنية واقتصادية مباشرة.
الشرق الأوسط الجديد (الهيمنة التكنولوجية والاقتصادية): تهدف إسرائيل إلى تحويل التطبيع إلى أداة لربط البنى التحتية العربية (طاقة، مياه، اتصالات، نقل) بالاقتصاد الإسرائيلي. وبذلك تصبح تل أبيب "المركز التكنولوجي والأمني" للمنطقة، بينما تتحول الدول المحيطة بها إلى أسواق مستهلكة أو عمق أمني يحميها، مما يمنحها قدرة غير مباشرة على توجيه القرار السياسي والاقتصادي العربي.
ثانياً: دور الولايات المتحدة.. الشريك الاستراتيجي والضامن للهيمنة
لا يمكن فصل الأطماع الإسرائيلية عن الدعم الأمريكي؛ إذ تمثل واشنطن الرافعة الأساسية التي تمكّن إسرائيل من تنفيذ استراتيجياتها من خلال أدوار متعددة:
1. ضمان "التفوق العسكري النوعي" (QME)
تلتزم الولايات المتحدة قانونياً وسياسياً بالحفاظ على تفوق إسرائيل العسكري على مجموع الدول العربية مجتمعة.
يترجم هذا الدعم في صبّ مليارات الدولارات سنوياً كمساعدات عسكرية، وتزويد تل أبيب بأحدث الترسانات التكنولوجية (مثل مقاتلات F-35 ومنظومات الدفاع الجوي المتطورة)، مما يضمن لإسرائيل القدرة على شن ضربات استباقية وردع أي محاولة عربية لبناء قوة عسكرية موازية.
2. المظلة الدبلوماسية والقانونية (الفيتو)
توفر واشنطن حماية مطلقة لإسرائيل في المحافل الدولية (مثل مجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية)، حيث استخدمت حق النقض (الفيتو) عشرات المرات لإحباط قرارات تدين الاحتلال، أو الاستيطان، أو الجرائم المرتكبة بحق المدنيين. هذا الدعم يحيد القانون الدولي ويمنح إسرائيل شعوراً بالحصانة من العقاب، مما يشجعها على الاستمرار في سياساتها التوسعية.
3. المقايضة السياسية والدبلوماسية القسرية لفرض التطبيع
تتولى الولايات المتحدة دور "المهندس والوسيط القسري" لعمليات التطبيع؛ حيث لا تقتصر الضغوط على الجهود الإسرائيلية الذاتية، بل تستخدم واشنطن ثقلها السياسي والاقتصادي للضغط على الدول العربية.
أسلوب المقايضات: تقوم الإدارات الأمريكية بتقديم حوافز أو فرض عقوبات على الدول العربية لربط مصالحها الحيوية (مثل رفع العقوبات، تقديم قروض، شطب من قوائم الإرهاب، أو إبرام اتفاقيات دفاعية مشتركة) بمدى استعدادها لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، مما يجعل التطبيع شرطاً أمريكياً لنيل الرضا الدولي.
ثالثاً: تداعيات المعادلة (الإسرائيلية - الأمريكية) على الأمن القومي العربي
أدى هذا التحالف الثنائي إلى إحداث اختراقات عميقة في منظومة الأمن القومي العربي:
تفتيت الموقف الموحد: نجحت استراتيجية التطبيع المدعومة أمريكياً في تحويل الصراع من (عربي - إسرائيلي) جماعي إلى ملفات ثنائية منفصلة، مما أضعف أوراق الضغط العربية.
إعادة صياغة التهديدات: تم توجيه البوصلة الأمنية لبعض الدول لتصبح موجهة نحو قوى إقليمية أخرى (مثل إيران)، بينما يتم تقديم إسرائيل كـ "شريك أمني محتمل"، وهو ما يخدم تفتيت المنطقة وإبقائها في حالة استقطاب مستمر يمنع قيام أي تكتل عربي مستقل.
خلاصة
إن الأطماع الإسرائيلية في السيطرة على البلدان العربية تتجاوز الرغبة في التوسع الجغرافي التقليدي لتصل إلى صياغة نظام إقليمي تكون فيه إسرائيل القوة القائدة والمهيمنة أمنياً واقتصادياً. وتتحرك هذه الأطماع تحت مظلة أمريكية كاملة توفر السلاح، والمال، والحماية السياسية، وتضغط لدمج إسرائيل في النسيج العربي دون دفع أي ثمن حقيقي يتعلق بحقوق الشعب الفلسطيني أو الانسحاب من الأراضي المحتلة. وتظل قدرة الدول العربية على مواجهة هذا المشروع رهينة باستعادة التضامن البيني، وبناء عناصر القوة الذاتية، ورفض الخضوع لسياسة المقايضات التي تمس السيادة الوطنية.
بقلم أ د عمر علي الهراش

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *