
و.ش.ع عمان ۔ د. عطاف الخوالدة
السبت 06 يونيو 2026
في أزمنةِ المحن الكبرى، لا يكون الخطرُ في ضجيجِ الموت وحده، بل في ذلك الصمتِ الذي يحيطُ به ويمنحه فرصةَ التمدد والانتشار. فحين ترتفع أصواتُ المدافع، وتتعالى صرخاتُ المظلومين، ويُسفك الدمُ البريء، ينتظر الإنسانُ موقفًا يليقُ بكرامته وإنسانيته، لكنَّ التخاذلَ إذا ساد، تحوَّل الصمتُ إلى شريكٍ في المأساة، وبُني بين الحقِّ وأهله جدارٌ من الانحناء.
إنَّ الأممَ لا تُقاسُ بما تملك من قوةٍ ماديةٍ فحسب، بل بما تحمله من قيمٍ ومبادئ. وعندما تُختبر هذه المبادئ في ساعات الشدة، يظهر الصادقُ من المدّعي، والثابتُ من المتردد. فكم من شعبٍ واجه المحنَ بصبرٍ وثبات، وكم من أمةٍ كتبت صفحاتِ مجدها لأنها رفضت أن تنحني للظلم أو تستسلم للخوف.
والتاريخُ يعلمنا أنَّ الصمتَ أمام الظلم ليس حيادًا كما يظن بعض الناس، بل موقفٌ يفتح الطريق لاستمرار الظالم في بطشه. لذلك كانت كلمةُ الحق، والموقفُ الشريف، والدفاعُ عن المظلوم، من أعظم صور الشجاعة الإنسانية. فالكلمةُ الصادقة قد تُحيي أملًا، والموقفُ النبيل قد يردع ظالمًا، والتكاتفُ بين الناس قد يحفظ أوطانًا وأجيالًا.
غير أنَّ الأمل يبقى حاضرًا مهما اشتدت العواصف، لأنَّ إرادة الشعوب الحرة أقوى من جدران الانحناء. فكلُّ جدارٍ بُني على الخوف والتخاذل مصيره السقوط، وكلُّ بناءٍ أُسس على الحق والكرامة مصيره البقاء. وما دام في الأمة أحرارٌ يرفضون الذل، وأقلامٌ تكتب الحقيقة، وقلوبٌ تنبض بالعدل، فإنَّ فجر الكرامة سيظلُّ قادرًا على شقِّ طريقه بين ركام الألم.
وهكذا، بين ضجيج الموت وصمت التخاذل، يبقى الإنسانُ أمام خيارين: أن يكون حجرًا في جدار الانحناء، أو أن يكون صوتًا للحق يساهم في هدمه وبناء جدارٍ آخر من العزة والكرامة والوفاء للمبادئ.
✦ بين ضجيج الموت وصمت التخاذل ✦
بينَ ضجيجِ الموتِ في أفقِ الأسى
ـــــــ وصدى المآسي يملأُ الآفاقَ نارا
وصمتِ قومٍ آثروا ظلَّ السكونِ
ـــــــ فغدا التخاذلُ في المواقفِ عارا
تُبنى جدارُ الانحناءِ مُشيَّدًا
ـــــــ وتُقيَّدُ الأحرارُ فيهِ حصارا
وتنامُ أعينُ من رأوا ظلمًا جرى
ـــــــ وكأنَّ ما جرى للأبرياءِ غبارا
ما كانَ صمتُ الحقِّ يومًا حكمةً
ـــــــ بل كانَ للتاريخِ جرحًا غائرا
فالظلمُ يكبرُ حينَ يُتركُ آمنًا
ـــــــ ويظلُّ يزرعُ في الدروبِ دمارا
لكنَّ في صدرِ الكرامةِ شعلةً
ـــــــ تأبى الخضوعَ وتستعيدُ منارا
وتظلُّ روحُ الحقِّ رغمَ جراحِها
ـــــــ تمضي وتكتبُ للصمودِ شعارا
فالأرضُ تعرفُ من حماها صادقًا
ـــــــ وتردُّ للأوفياءِ فضلًا وافتخارا
ما ضاعَ حقٌّ خلفَهُ أهلُ الوفا
ـــــــ بل عادَ يومًا شامخًا مختارا
وفي..الختام
فإذا ارتفعَ ضجيجُ الموتِ فلا تجعلوا الصمتَ جدارًا يحجبُ الحقيقة، وإذا اشتدَّ الظلمُ فلا تبنوا للتخاذلِ عذرًا ولا مبررًا؛ فالأممُ التي تحفظُ كرامتَها هي التي تقفُ مع الحقِّ ولو كلَّفها ذلك الكثير، لأنَّ العزةَ لا تُصانُ بالانحناءِ، وإنما تُصانُ بثباتِ المواقفِ ونبلِ المبادئِ وصدقِ الانتماءِ.
أسأل الله العظيم العفو والعافية من هذا البلاء واقبلوا الإحترام والتقدير
بقلم الشاعرة.د.عطاف الخوالدة

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *