
و.ش.ع سوريا ۔علي بدر سليمان
عائدة (بصوت يغلبه التعب والود): "أهلاً بك يا زوجي العزيز، لا شك أنك أنهكت في عملك. سأُعِدُّ لك الطعام في الحال."
باسم (بابتسامة متعبة): "نعم، حبذا لو تفعلين يا زوجتي.
إنني جائع حقاً، ولم أذق طعاماً منذ الصباح."
عائدة (تحاول إخفاء قلقها بابتسامة دافئة وضحكة خفيفة): "لا تقلق يا عزيزي، سأُحضره بسرعة لنتناوله معاً. اذهب غيّر ملابسِك، واغسل وجهك ويديك، سأكون قد جهزت كل شيء."
باسم: "حسناً."
وفي مساءٍ كئيب، تبددت قسوة النهار بكلمات تخفي خلفها ندوب المعاناة:
عائدة (بصوت يجمع بين الحنو واللوم): باسم، استيقظ.. لقد استسلمت للنوم طويلاً، وتبدد النهار.
باسم (يتململ بضيق، مغمض العينين): آه.. كم أنتِ ملحة يا زوجتي! دعيني أنعم بسلام هذا النوم. إن جسدي يئن من التعب؛ فقد قضيت نهاراً شاقاً وأنا أساعد جارنا "عماد" في تركيب أثاث بيته الجديد.
عائدة (تتوقف بدهشة، وتردد الاسم بنبرة تساؤل): عماد؟!
من عماد هذا؟
باسم (يفتح عينيه ببطء): عماد.. أبو ليلى، جارنا الذي استقر مؤخراً في آخر الشارع.
عائدة (تطرق برأسها): لا أذكر أنني أعرفه أو سمعت به.
باسم: طبيعي ألا تعرفيه، فقد وفد إلى هنا منذ أسبوع تقريباً برفقة زوجته "ملك".
جاؤوا من بساطة الريف ليقطنوا هنا على أطراف هذه المدينة الصاخبة.
عائدة (بفضول لافت): هو وزوجته فقط؟
باسم (تلمع عيناه ببريق دافئ): نعم.. ومعهما طفلة صغيرة تُدعى "نهلة".
يا الله يا عائدة! كم تحمل هذه الطفلة من البراءة والجمال! في وجهها نقاء ينسي المرء شقاء الدنيا.
عائدة (تتحول ملامحها فجأة إلى الجمود، وتقاطعه بنبرة حادة): كفى! كفاك حديثاً عن الأطفال.
باسم (يعتدل في جلسته مستغرباً): ما بكِ يا عزيزتي؟
لِمَ يزعجكِ حديثي؟
عائدة (بعيون مليئة بالعتب المكتوم): تتحدث عن تلك الصغيرة وشغفك بها يملأ نبراتك، وكأنك تذوب حبّاً في الأطفال!
باسم (يبتسم بدهشة): ومن قال لكِ إنني جاحد بجمال الطفولة أو أكره الصغار؟
عائدة (بمواجهة مباشرة): أفعالك ومواقفك هي ما ينطق بذلك.
باسم (يطلق ضحكة قصيرة باهتة لتغطية ارتباكه): عجبًا!
ومن أين تأتين بهذه الظنون والاتهامات؟
عائدة (بنبرة منكسرة): كم مرة رجوتك وتوسلت إليك أن ننجب طفلاً يملأ علينا هذا الفراغ، وكنت في كل مرة تواجه رغبتي بالرفض القاطع والصدود؟
باسم (يزفر تنهيدة ثقيلة تلخص عبء الوجود): أوه.. ها أنتِ تفتحين مجدداً باباً لحديث لا ينتهي! ألا تملّين تكرار هذا السؤال؟
يا عائدة، أنا لا أكره الأطفال كفكرة، لكنني أخشى المسؤولية بمفهومها الفلسفي والأخلاقي. كيف لي أن آتي بطفل بريء إلى هذا العالم، ليفتح عينيه على بؤسنا وفقرنا المدقع؟
لا أريد أن ينمو طفلنا في حرمان، ليعود إلينا يوماً باللوم والتشكي، ويشتمنا لأننا كنا السبب في جرّه إلى جحيم هذه الحياة دون ذنب منه!
عائدة (بنبرة يملؤها الإيمان والرجاء): لكنك تنظر إلى الحياة بعين يائسة يا عزيزي.
من يدري؟ لعل في قدومه تتغير المقادير، ويسوق الله معه رزقاً وفيراً يقلب بؤسنا نعيماً، ويتبدل حالنا كلياً.
فالأطفال يغيرون وجه العالم دائماً.
باسم (يصمت لبرهة، يتأمل كلماتها، ثم يقول بهدوء): حسناً.. دعي هذه المسألة للأيام، سأعيد التفكير في هذا الأمر ملياً.
عائدة (تشرق ملامحها بارتياح): هذا كل ما أرجوه. سأذهب غداً صباحاً لزيارة جيراننا الجدد وأقوم بواجب الترحيب بهم.
باسم: لا بأس في ذلك، اذهبي ولكن أوصيكِ ألا تطيلي الغياب؛ فالبيت موحش بدونكِ.
عائدة (تبتسم بحنان): لن أتأخر، نم هانئاً يا زوجي العزيز
ولا تقلق.
الي القاء نلتقي غدا في الجزء الثالث.


اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *