
و.ش.ع الاسماعلية ۔د۔ حسين السمنودي
الاثنين 25 مايو 2026
في كل زمان يظهر لصوص الطرق، لكن أخطر اللصوص ليسوا الذين يحملون السلاح، بل الذين يرتدون ثياب الطيبة، ويتحدثون بلسان الدين، ويقسمون لك بالأمانة والشرف، ثم يسرقونك وأنت تبتسم لهم مطمئنًا.
هؤلاء الذين عرفهم الإعلام باسم “المستريح”، وكأن الكلمة خفيفة على اللسان، بينما حقيقتها ثقيلة كالكابوس على صدور الضحايا.
المستريح ليس مجرد نصاب سرق أموال الناس، بل هو إنسان قتل الثقة، وذبح صلة الرحم، وحطم بيوتًا كاملة، وترك خلفه قلوبًا مكسورة لا تجد حتى من يسمع أنينها.
وأقسى أنواع النصب وأشدها وجعًا، أن يكون المستريح من دمك ولحمك…
قريبك…
صديق عمرك…
جارك الذي كنت تفتح له بيتك قبل بابك…
الشخص الذي أكل معك العيش والملح، ثم جلس يومًا يحسب كيف يأكل تعب سنينك كلها في لحظة واحدة.
يعطيك الوهم في صورة مشروع، ويبيع لك الأحلام بالتقسيط، ويجعلك تشعر أنك أمام رجل ناجح يعرف “الأصول”، بينما هو في الحقيقة يحفر حفرة كبيرة يسقط فيها الجميع، ثم يهرب تاركًا خلفه الخراب.
والمأساة الحقيقية ليست فقط في ضياع المال…
فالمال يمكن أن يعود يومًا، لكن الذي لا يعود بسهولة هو كرامة إنسان اضطر أن يمد يده طالبًا حقه عند من سرقه.
تجد الضحية يطرق الأبواب، ويجري وراء الوعود الكاذبة، ويبيع ما تبقى عنده حتى يسد ديونه، بينما المستريح يعيش أيامه وكأن شيئًا لم يكن، محاطًا بالمنافقين والانتهازيين الذين يصفقون للقوة والمال حتى لو كانا مبنيين على دموع المساكين.
والأدهى من ذلك، أن الضحية أحيانًا يتحول في نظر الناس إلى متهم.
إذا تكلم قالوا: “إنت اللي غلطان.”
وإذا طالب بحقه قالوا: “اصبر.”
وإذا صرخ من القهر قالوا: “فضايح.”
أما النصاب الحقيقي، فيجد ألف من يبرر له، وألف باب يُفتح أمامه، وكأن المجتمع صار يعاقب الضعيف لأنه ضعيف فقط.
أما الذي “مالوش ضهر”، فقصته دائمًا حزينة.
يضيع حقه بين المكاتب، وبين الوعود، وبين الجلسات، وبين نظرات الشفقة التي لا تُطعم جائعًا ولا تعيد مالًا مسروقًا.
يمشي في الطرقات مكسور العين، يخفي قهره خلف ابتسامة باهتة، بينما أولاده يسألونه كل ليلة:
“فلوسنا راحت فين يا أبويا؟”
وهنا تكون الطعنة الحقيقية…
حين يشعر الرجل أنه فشل في حماية بيته، لا لأنه كسول أو مهمل، بل لأنه وثق في إنسان لا يعرف معنى الضمير.
لقد أصبح بعض النصابين محترفين في ارتداء الأقنعة.
يتحدثون عن الأخلاق وهم أبعد الناس عنها، ويستشهدون بالكلمات الجميلة وهم يغرسون السكاكين في ظهور الناس.
يعرفون جيدًا كيف يدخلون إلى القلوب، لأنهم يدركون أن سرقة الثقة أسهل من سرقة الخزائن.
والمؤلم أن ضحايا المستريح ليسوا أثرياء في الغالب…
بل بسطاء جمعوا أموالهم “حتة حتة”، امرأة باعت ذهبها، ورجل خرج على المعاش ووضع تحويشة عمره، وشاب حلم أن يبدأ مشروعًا صغيرًا، وأب كان يريد تزويج ابنته بالحلال.
أحلام صغيرة جدًا… لكنها عند أصحابها كانت الدنيا كلها.
ثم يأتي شخص بلا رحمة، فيلتهم كل شيء، ويترك خلفه أسرًا تتشاجر، وقلوبًا تمتلئ بالشك، ومجتمعًا يخاف فيه الأخ من أخيه، والصديق من صديقه.
إن أخطر ما يفعله المستريح، أنه لا يسرق المال فقط، بل يزرع الخوف داخل الناس.
يجعل الإنسان بعد الخديعة يشك في كل يد تمتد نحوه بالخير، وفي كل كلمة طيبة، وفي كل وعد جميل.
ولهذا فإن مواجهة هؤلاء ليست مسؤولية قانون فقط، بل مسؤولية ضمير ومجتمع كامل.
يجب أن يعود احترام تعب الناس، وأن يعرف الجميع أن أكل الحقوق ليس “شطارة”، وأن النصب ليس “فهلوة”، وأن دموع المظلوم لا تضيع عند الله مهما طال الزمن.
فكم من مستريح ظن أن الدنيا دانت له، ثم سقط فجأة تحت ثقل دعوات المقهورين.
وكم من مظلوم نام باكيًا، ثم رد الله له حقه بطريقة لم يتخيلها يومًا.
وفي اللحظة التي يكتشف فيها الضحية أن ماله قد ضاع، يكتشف شيئًا أكثر قسوة من ضياع المال نفسه…
يكتشف أن المستريح لم يسرق نقوده فقط، بل سرق مكانته وكرامته وراحته وثقته في البشر.
فما أصعب أن يذهب الإنسان إلى قريبٍ له كان يومًا يراه سندًا وعِزوة، ثم يعود منهور القلب بعدما تحوّل ذلك القريب إلى جلاد لا يعرف الرحمة.
وما أقسى أن يرى الضحية من أكل لحمه وتعب عمره يسير متبخترًا بين أصحاب النفوذ، محاطًا بالوجوه اللامعة، والأسماء الكبيرة، والضحكات العالية، وكأن شيئًا لم يحدث.
حينها يشعر المظلوم أن الدنيا انقلبت رأسًا على عقب…
هو يطارد حقه من باب إلى باب، بينما من ظلمه يجلس في المجالس الكبيرة، يتحدث بثقة، ويتباهى بعلاقاته، ويستخدم أسماء المسئولين والأثرياء كأنها دروع تحميه من دعوات المقهورين.
والموجع أكثر…
أن الضحية عندما يرفع صوته بالقهر، يجد من يطالبه بالصمت، وكأن الفقير خُلق فقط ليتحمّل، وكأن المظلوم يجب أن يبتلع وجعه حتى لا يزعج أصحاب النفوذ والمال.
فيعود إلى بيته مكسورًا…
ينظر في عيون أولاده فلا يجد إجابة، ويجلس في الليل وحيدًا، يتذكر كيف كان يثق في ذلك القريب ثقة العُمر كله، ثم يبكي بصمت، ليس على المال فقط، بل على الأيام التي ضاعت، وعلى صلة الرحم التي ذُبحت فوق مذبح الطمع والجشع.
وهناك جراح لا يراها الناس…
جرح رجل شعر أنه أصبح ضعيفًا في زمن لا يحترم إلا من يملك الظهر والمال والعلاقات.
وجرح أم ترى تعب سنينها قد تبخر، ثم تسمع من حولها يقولون: “خلاص… إنسى.”
لكن كيف ينسى إنسانٌ أكلوا من لحمه الحي؟
كيف ينسى من سرقوه باسم القرابة والمحبة؟
وكيف يهدأ قلب مظلوم يرى ظالمه يزداد قوة وغرورًا كل يوم؟
إنها ليست قصة أموال فقط…
بل قصة قلوب انكسرت، وأرواح تعبت، وأقارب تحوّلوا إلى غرباء بلا رحمة.
وسيظل المظلوم، مهما صمت، يحمل داخله حسرة ثقيلة لا يعلمها إلا الله…
حسرة إنسان اكتشف متأخرًا أن أقرب الناس إليه، كان أخطر الناس عليه.
لكن رغم كل هذا السواد، سيبقى هناك شرفاء لا يبيعون ضمائرهم، ولا يأكلون حقوق الناس، ولا يبنون ثرواتهم على أنقاض الفقراء.
فهؤلاء هم من يبقى ذكرهم طيبًا بين الناس، أما النصابون، فمهما طال زمنهم، سيأتي يوم يلعنهم فيه كل من عرفهم، لأن الحقوق قد تنام… لكنها لا تموت.

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *