
و.ش.ع العراق ۔ أ د صالح العطوان الحيالي
ظهر المماليك في عصرٍ كاد يضيع فيه الإسلام بين كماشتين: هجمة شرسة من الشرق قادها المغول الذين اجتاحوا العالم الإسلامي، ومن الغرب حملات صليبية متعصبة تمثلت في فرق عسكرية دينية مثل فرسان الهيكل، وفرسان الإسبتارية، والداوية، الذين جعلوا هدفهم القضاء على الوجود الإسلامي في المشرق.
وكانت هذه المرحلة من أخطر مراحل التاريخ الإسلامي، حيث امتلك المغول قوة عسكرية غير مسبوقة ؛ كان الجندي المغولي يجيد الرمي بالسهام بدقة عالية وهو على ظهر جواده، مع قدرة مذهلة على المناورة إضافة إلى خبرة واسعة في استعمال فنون القتال الآسيوية فكان لا يغلب . و كان اقرب إلى الوحش منه الى الإنسان ...قاسي القلب لا يعرف الرحمة ، وكانت جيوشهم تقوم على إرهاب العدو بوحشيتها المفرطة في الحرب النفسية و القتل و ابادة مدن اسلامية كاملة و قتل كل من فيها .
أما الجندي الصليبي، وخاصة في الفرق المتعصبة مثل فرسان الهيكل والإسبتارية، فقد كان فارسًا مدرّعًا بدرع ثقيل يغطي جسده بالكامل، يعتمد على قوة الصدمة ، ويقاتل ضمن تشكيلات عسكرية صارمة تقوم على الانضباط العالي. وقد تميز هؤلاء الفرسان بالشجاعة في المواجهة المباشرة، و كانوا شديدي التعصب و الكره للإسلام و يعاملون المسلمين بوحشية بالغة .
و أمام عجز جيوش المسلمين على مواجهة هذه الفرق العسكرية الخارقة و المتوحشة ، ظهر المماليك، القوة العسكرية التي أعادت التوازن للعالم الإسلامي، حتى لُقّبوا بـ(داوية الإسلام) و هو لقب أطلقه المؤرخين المسلمين على المماليك كنوع من التحدي لداوية الصليبيين ، والداوية او فرسان الهيكل هم اقوى فرق الصليبيين تشكلت من رهبان متعصبين و كانت أشد تعصب على المسلمين فتلاً وتنكيلاً وليس أدل من ذلك مافعله "صلاح الدين" بعد معركة (حطين) عندما أسر زعيم الداويه في حطين فقطع راسه مع المجرم "أرناط" .
فيقول "إبن كثير" : إذا كان للفرنج عسكر الداوية فقد أصبح للإسلام داوية الاسلام (يقصد المماليك).
فالمماليك هم الذين أبادوا داوية الفرنج وأزالوهم من بلاد الشام ، وانتزعوا منهم كل حصونهم المنيعة في الشام ، وعاملوهم بنفس القوه والشراسة والقسوة التي كانوا يُعاملون بها المسلمين فلا يتركون لهم أسير إلا قتل أو بيع كعبد . و المماليك هم أكثر سيوف التاريخ الإسلامي لمعاناً ، أمراء الجهاد ، قاهري التتار ، و آسري الملوك ، و فاتحى الحصون ، و حكام مصر والشام والعراق والجزيرة العربية وديار بكر والهند.
والمماليك سلالة الجند ذات أصول غالبيّة تنحدر من آسيا الصُّغرى ، وشبه جزيرة القَرم و من الشعوب القوقازية ، و الترك ، وبعض الدول الأوروبيّة ، كان يؤتى بهم أطفال صغاراً إلى مصر و يباعوا في سوق العبيد ، وهم من غير المسلمين ثم يتم تحويلهم للاسلام ، و لم يكن التعامل معهم كعبيد ، بل كان السلاطين المسلمين يعاملُونهم بدرجة تُقارِب معاملته لأبناء السلاطين ، و كان يختار لهم أجود أنواع التعليم في العالم آنذاك و أحسن الفقهاء المسلمين ؛ ولذلك كان المماليك يُحبون الدين الإسلامي ويُعظِّمونه فهم يمتلكون خلفيّة واسعة عن الإسلام وتشريعاته وفِقْهه ، وممّا لا شك فيه أنه كان يتمّ تدريب المماليك في فترة الشباب على القتال ، والفروسيّة ، بالإضافة إلى تدريبهم على التخطيط الحربي والقيادة. ولنا مع المؤرخ "المقريزي" كيف كان تربيه هذا الفارس الذي سوف يدافع عن الاسلام والمسلمين فيقول :
(أول المراحل في حياة الملوك تعلم العربية قراءة وكتابة ثم يتعلم القران علي يد شيخ جليل ومبادى الفقة الاسلامي واداب الشريعه الاسلامية ويراقب الملوك مراقبة شديدة ويعاقب عقابا شديداً اذا اتي فعلا خارجاً عن اداب التعاليم الاسلامية) .
و كان على جندي المماليك ليتخرج من مدرسة الرمي أن يصيب بأسهمه هدفا على مسافة 75 مترا ثلاث مرات خلال ثانية ونصف! ،و كان أحد تدريبات الجيش المملوكي رماية عدة اسهم (أثناء ركوب الحصان) على نصل سيف مثبت في الارض، بحيث يقوم السيف بشق السهم نصفين!،يدرب جندي المماليك حتى يصبح آلة قتل و قتال عسكرية تحمي الاسلام ، ثم حكمت المماليك (مصر) على مدى قرنين ونصف من الزمان ، وأسسوا بمصر دولتيين على التوالي (المماليك البحرية) أو الترك و (المماليك البرجية) أو الشركس ، وكانت العاصمه هي (القاهرة).
أما مع المغول، فقد خاض المماليك سلسلة من المعارك الحاسمة منها ستّ معارك كبرى فاصلة في الشام ومصر، لم يُهزموا فيها إلا في معركة واحدة، بينما انتصروا في بقية المواجهات. حتى أوقفوا الزحف المغولي على العالم الإسلامي، وكشفوا أن هذه القوة ليست عصية على الهزيمة كما كان يُعتقد.
أما في جبهة الصليبيين، فقد خاض المماليك حربًا طويلة امتدت لأكثر من قرنين، عبر عشرات الحملات والمعارك والحصارات، تجاوزت ثلاثين مواجهة كبرى. وخلالها تمكنوا من تفكيك القوة الصليبية المنظمة، وضربوا عمقها العسكري المتمثل في الفرسان المتعصبين مثل فرسان الهيكل والداوية والإسبتارية، حتى أُبيدت هذه التنظيمات العسكرية تدريجيًا، وانتهى وجودها في بلاد الشام بسقوط عكا سنة 690هـ تقريبًا، آخر معاقلهم الكبرى.
وفي الأخير أصاب المماليك ما يصيب الدول من شيخوخة و ضعف ... و انتهت دولتهم بدخول العثمانيين مصر سنة 1517م، لكنها بقيت في التاريخ واحدة من أعظم القوى العسكرية التي واجهت أخطر تهديدين في العصور الوسطى: المغول والصليبيين، وصنعت توازنًا تاريخيًا حفظ العالم الإسلامي من الانهيار. ليحمل العثمانيين عنهم مشعل الجهاد و خدمة الإسلام و المسلمين .... و تلك قصة أخرى .
المصادر
1. ابن كثير – البداية والنهاية
2. المقريزي – السلوك لمعرفة دول الملوك
3. أبو الفداء – المختصر في أخبار البشر
4. ابن تغري بردي – النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة
5. ر. ستيفن همفريز – From Saladin to the Mongols
6. ديفيد آيرن – The Age of the Mamluks

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *