
و.ش.ع العراق ۔ أ د وفاء الفتلاوي
الاحد 07 يونيو 2026
في الأنظمة الجمهورية يفترض أن تكون المناصب العامة ثمرة الكفاءة والخبرة والتنافس العادل لا امتدادا ًللأسماء أو النفوذ أو الإرث السياسي لكن الواقع العملي في بعض مفاصل الدولة يكشف اتجاهاً مقلقاً يتمثل بتكرار أسماء محددة داخل مؤسسات الدولة وظهور أبناء شخصيات سياسية أو مسؤولة في مواقع إدارية متقدمة خلال فترات زمنية قصيرة ما يثير تساؤلا تحول طبيعة معايير الاختيار وفرص التدرج الوظيفي.
لا يمكن الجزم بأن كل من يصل عبر هذا المسار يفتقر إلى الكفاءة فهناك نماذج تمتلك مؤهلات حقيقية لكن الإشكال لا يكمن في الأفراد بقدر ما يكمن في منظومة الفرص ذاتها حين تصبح الدوائر المغلقة والنفوذ غير المباشر عاملاً حاسماً في الوصول إلى المناصب مقابل تراجع مبدأ تكافؤ الفرص الذي يعد أساس أي دولة مؤسسات.
وهذا النمط يخلق تدريجياً ما يمكن وصفه (بملوكية ناعمة) داخل الجمهورية حيث لا تورث السلطة بشكل رسمي لكنها تعاد إنتاجها داخل شبكات محددة تدار بعلاقات سياسية أو اجتماعية أو تنظيمية ما يؤدي إلى تضييق دائرة الوصول أمام الكفاءات المستقلة وغير المنتمية.
ولا تتوقف انعكاسات هذه الظاهرة عند البعد الإداري فقط بل تمتد إلى بنية الدولة نفسها فعندما يشعر الموظف أو الشاب أن الوصول إلى المواقع العليا مرتبط بالاسم أو الانتماء تتراجع الدافعية نحو الإبداع والتطوير ويضعف الإيمان بأن الجهد الشخصي قادر على صناعة فارق حقيقي ومع الوقت يتحول الجهاز الإداري إلى بيئة فقدت جزءاً من حيويتها التنافسية.
كما أن استمرار هذا النهج يضعف ثقة المجتمع بالمؤسسات العامة ويعزز القناعة بأن الدولة تدار بمنطق الدائرة المغلقة ما يخلق فجوة بين المواطن ومفهوم العدالة الوظيفية ويؤثر سلباً على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
في حين ان الحلول تبدأ من إعادة تفعيل مبدأ الشفافية في التعيينات والمناصب عبر الإعلان الواضح عن الشواغر وآليات الاختيار ومعايير التقييم بما يقلل من مساحة التأويل والوساطة كما أن اعتماد نظام تقييم مهني مستقل داخل المؤسسات وربطه بالإنجاز الفعلي لا بالانتماء يمكن أن يشكل خطوة مهمة نحو إصلاح حقيقي إضافة إلى ذلك فإن تمكين مؤسسات الرقابة الإدارية وتعزيز دورها في متابعة التعيينات العليا والمتوسطة يمثل ضمانة أساسية للحد من تضخم النفوذ غير الرسمي داخل الدولة ولا يقل أهمية عن ذلك دعم برامج تأهيل القيادات الشابة بعيداً عن الاعتبارات الحزبية لضمان خلق جيل إداري جديد يعتمد على الكفاءة لا على الإرث.
فالدولة التي تريد أن تحافظ على جمهوريتها تحتاج إلى فتح أبوابها للجميع لا إلى إعادة إنتاج نفس الدوائر بأسماء مختلفة فالمناصب العامة ليست امتيازاً يورث بل مسؤولية تكتسب وأي انحراف عن هذا المبدأ يهدد جوهر الدولة نفسها قبل أن يهدد إدارتها.
مركز CROSS LINES الاستراتيجي

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *