43 watching nowالرئيسية / شعر وادب / اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ بَيْنَ أَصَالَةِ التُّرَاثِ وَتَحْدِيثِ المَنَاهِج مفهوم «نوع الخطاب» أنموذجًا بين البلاغة العربية والدراسات اللسانية الحديثة

اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ بَيْنَ أَصَالَةِ التُّرَاثِ وَتَحْدِيثِ المَنَاهِج مفهوم «نوع الخطاب» أنموذجًا بين البلاغة العربية والدراسات اللسانية الحديثة

04-09-2026 7:33 م  وكالة انباء الشرق العربي 228 views
اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ بَيْنَ أَصَالَةِ التُّرَاثِ وَتَحْدِيثِ المَنَاهِج مفهوم «نوع الخطاب» أنموذجًا بين البلاغة العربية والدراسات اللسانية الحديثة

و.ش.ع            الاردن  ۔ د. عطاف الخوالدة استاذ اللغة العربية ودراسات في علوم القران الكريم والحديث الشريف والتفسير     

الجمعة 04سبتمبر2026   

《اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ بَيْنَ أَصَالَةِ التُّرَاثِ وَتَحْدِيثِ المَنَاهِج》

مفهوم «نوع الخطاب» أنموذجًا بين البلاغة العربية والدراسات اللسانية الحديثة

إعداد

الكاتبة الشاعرة الدكتورة عطاف الخوالدة
أستاذ اللغة العربية
دراسات في علوم القرآن الكريم والحديث الشريف

---

فهرس البحث

1. المقدمة
2. اللغة العربية وهوية الأمة
3. بين المصطلح والمفهوم
4. مفهوم «الخطاب» في الدراسات الحديثة
5. جذور دراسة الخطاب في التراث العربي
6. مقتضى الحال وأحوال المخاطبين في البلاغة العربية
7. عبد القاهر الجرجاني والنظر في المعنى والسياق
8. الخطاب في الأدب والخطابة والرسائل
9. الخطاب في علوم القرآن وأصول الفقه
10. أين تلتقي الدراسات الحديثة مع التراث؟
11. أين يكمن الإشكال في المناهج التعليمية؟
12. التطوير المطلوب: تجديدٌ لا قطيعة
13. درس إيضاحي للطلاب
14. توصيات
15. الخاتمة
16. أبيات شعرية
17. المصادر والمراجع

---

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفصح العرب لسانًا، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فإن اللغة العربية ليست مادةً مدرسيةً تُدرَّس ثم تنتهي صلتنا بها بانتهاء الامتحان، وإنما هي لسان حضارة، ووعاء فكر، وذاكرة أمة، وأداة لفهم جانب عظيم من تراثنا الديني والأدبي والعلمي.

وقد أثار اهتمامي ما يَرِد في بعض المناهج التعليمية المعاصرة من مصطلحات وتصنيفات في تحليل النصوص، ومن بينها مصطلح «نوع الخطاب»، الأمر الذي يثير سؤالًا مشروعًا:

هل هذا المفهوم جديد على الثقافة العربية؟ وهل لم يعرف علماء العربية قديمًا دراسة الخطاب ووظائفه وسياقه ومخاطَبيه؟ أم أن الدراسات الحديثة جاءت بمصطلحات ومناهج جديدة لظواهر عرفها التراث بمسميات وطرائق مختلفة؟

والسؤال هنا ليس دعوة إلى رفض الحداثة، ولا إلى تقديس القديم لمجرد قِدمه؛ وإنما هو دعوة إلى التمييز العلمي بين المفهوم والمصطلح والمنهج.

فاللسانيات الحديثة جعلت «الخطاب» مجالًا واسعًا للدراسة، وتعددت داخله الاتجاهات والمقاربات، بينما كان التراث العربي قد عالج جوانب كثيرة من العلاقة بين الكلام والمقام والمخاطب والغرض ضمن علوم البلاغة والنحو والنقد وعلوم القرآن وأصول الفقه. وتؤكد دراسات حديثة أن التصور العربي التقليدي للخطاب ارتبط بالمعنى والسياق، في حين طورت الدراسات الغربية الحديثة مقارباتها الخاصة للخطاب بوصفه ممارسة تواصلية في سياقات محددة.

ومن هنا تأتي هذه المقالة محاولةً للوقوف على المسألة بميزان علمي، بعيدًا عن الرفض المطلق أو الانبهار المطلق.

---

أولًا: اللغة العربية وهوية الأمة

اللغة من أهم عناصر هوية الأمم؛ لأنها لا تنقل الكلمات فحسب، وإنما تحمل طرائق التفكير، وذاكرة المجتمع، وأدبه، وقيمه، وتاريخه.

والعربية ذات منزلة خاصة في ثقافتنا الإسلامية؛ فهي لغة القرآن الكريم، ولغة الحديث النبوي الشريف، ولسان تراث علمي وأدبي امتد قرونًا طويلة.

ومن ثم فإن العناية بتعليمها ليست ترفًا ثقافيًا، وإنما مسؤولية علمية وتربوية وحضارية.

ولا يعني ذلك أن نضع العربية في مواجهة التطور؛ فاللغة الحية تتطور، والعلوم تتجدد، والمناهج قابلة للمراجعة.

لكن التطوير لا يكون ناجحًا إذا أدى إلى ضعف الطالب في اللغة التي يُراد منه أن يتعلم علومها.

فالغاية الأولى ينبغي أن تكون تمكينه من القراءة الصحيحة، والفهم العميق، والكتابة السليمة، والتعبير الواضح، والتذوق الأدبي، ثم تأتي المصطلحات والنظريات بوصفها أدوات تساعده على ذلك.

---

ثانيًا: بين المصطلح والمفهوم

من الأخطاء المنهجية الشائعة الخلط بين المصطلح والمفهوم.

فقد يكون المصطلح حديثًا، بينما تكون الظاهرة التي يصفها قديمة.

وقد يكون المصطلح قديمًا، بينما يتغير نطاق استعماله في الدراسات الحديثة.

وعليه، فليس من الدقة أن نقول:

«كل ما يسمى اليوم خطابًا لم يعرفه العرب.»

كما أنه ليس من الدقة المقابلة أن نقول:

«كل ما يسمى اليوم تحليل خطاب موجود في التراث العربي بالصورة نفسها.»

والصواب أن بين الأمرين تشابهًا وتقاطعًا واختلافًا، بحسب المفهوم والمنهج ومستوى التحليل.

وهذا التمييز مهم جدًا حتى لا نقع في إنكار تراثنا من جهة، ولا في إسقاط النظريات الحديثة على التراث إسقاطًا تعسفيًا من جهة أخرى.

---

ثالثًا: مفهوم «الخطاب» في الدراسات الحديثة

أصبح مفهوم الخطاب في الدراسات اللسانية الحديثة واسعًا ومتعدد الدلالات، وتطورت حوله دراسات تهتم بالنص والسياق والمتلقي والتواصل والبنية الاجتماعية والفكرية.

وقد عرّف مجمع اللغة العربية بالقاهرة «الخطاب» في أحد استعمالاته الحديثة بأنه طريقة خاصة في استخدام اللغة تكشف عن بنية ذهنية وفكرية، كما عرّف «تحليل الخطاب» بوصفه دراسة للكيفية التي تُنقل بها المعلومات من خلال أساليب واختيارات لغوية معينة.

وهذه المناهج الحديثة لها قيمتها العلمية، ولا ينبغي رفضها لمجرد حداثتها.

لكن السؤال التربوي الذي يهمنا هو:

كيف نقدمها للطالب العربي؟

هل نقدمها له بوصفها معرفة مستقلة منقطعة عن علوم لغته؟

أم نربطها بما يعرفه من بلاغة ونحو ونقد، ثم نوضح له نقاط الاتفاق والاختلاف؟

والثاني – في تقديري – أكثر فائدة وأعمق تربويًا.

---

رابعًا: جذور دراسة الخطاب في التراث العربي

إن التراث العربي لم يكن غافلًا عن العلاقة بين الكلام وغرض المتكلم وحال المخاطب والمقام.

بل إن هذه العلاقة تظهر بوضوح في علوم البلاغة.

ومن أشهر الأسس التي قامت عليها البلاغة العربية مفهوم:

مقتضى الحال

فقد عرّف الخطيب القزويني بلاغة الكلام بأنها مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته، وبيّن أن مقامات الكلام تختلف، وأن خطاب الذكي يختلف عن خطاب غيره، وهو نص صريح في ربط بناء الكلام بحال المخاطَب والمقام.

كما يقرر علم المعاني أن الكلام ينبغي أن يوافق الغرض الذي سيق له، وأن اختلاف حال المخاطَب قد يقتضي الإيجاز أو الإطناب أو التوكيد وغير ذلك.

وهنا نلمس بوضوح أن دراسة العلاقة بين الكلام والمقام والمخاطب ليست غريبة عن التراث العربي.

---

خامسًا: «لكل مقام مقال»

لقد استقر في الفكر البلاغي العربي معنى شهير عبّرت عنه العبارة:

«لكل مقام مقال.»

ومعناها أن الكلام البليغ لا ينفصل عن المقام الذي يقال فيه.

فلا يصح أن نخاطب الطفل كما نخاطب العالم.

ولا أن نخاطب طالب العلم كما نخاطب جمهورًا عامًا.

ولا أن يكون خطاب الوعظ مطابقًا لخطاب البحث العلمي.

ولا أن يكون خطاب المناظرة كخطاب المواساة.

وهذا يعني أن البلاغة العربية كانت تنظر إلى الكلام بوصفه فعلًا مرتبطًا بالسياق والغاية والمخاطب.

---

سادسًا: الخبر وأحوال المخاطبين

من الأمثلة المهمة في علم المعاني تقسيم الخبر باعتبار حال المخاطَب.

فالخبر قد يلقى إلى شخص خالي الذهن، وقد يلقى إلى متردد، وقد يلقى إلى منكر.

ومن ثم تختلف درجة التوكيد بحسب حال المتلقي.

وهذا يبين أن البلاغيين لم ينظروا إلى الجملة باعتبارها تركيبًا نحويًا مجردًا، بل نظروا أيضًا إلى وظيفتها ومقصدها وأثرها في المخاطَب.

وهنا تتضح قيمة التراث العربي حين نقرأه بوصفه علمًا حيًا، لا مجموعة تعريفات محفوظة.

---

سابعًا: عبد القاهر الجرجاني والنظر في المعنى والسياق

يمثل عبد القاهر الجرجاني مرحلة مهمة في تطور التفكير البلاغي العربي.

فقد جعل «النظم» أساسًا في فهم جودة الكلام، وربط ترتيب الكلام بالمعاني والأغراض التي يصاغ لها.

وقد نقل القزويني في «الإيضاح» عن عبد القاهر أن النظم هو تأخي معاني النحو بين الكلمات بحسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام.

وهذا يكشف عن وعي عميق بأن المعنى لا يُفهم من المفردات منفصلة، وإنما من العلاقات التي تنشأ بينها ومن الغرض الذي يصاغ الكلام من أجله.

ومن هنا يمكن أن نستفيد من التراث الجرجاني في تعليم الطالب أن النص ليس مجموعة كلمات متجاورة، بل بناء دلالي متكامل.

---

ثامنًا: الخطاب في الأدب والخطابة والرسائل

عرف الأدب العربي أشكالًا متعددة من التعبير، مثل:

- الخطابة.
- الرسائل.
- الوصايا.
- المناظرات.
- المواعظ.
- الحكم.
- الشعر.
- النثر الفني.

وكان لكل نوع غرض وسياق وجمهور وخصائص أسلوبية.

فالرسالة الرسمية ليست كالرسالة الإخوانية.

والخطبة السياسية ليست كالموعظة.

والقصيدة في الرثاء ليست كالقصيدة في المدح.

وهذا التنوع يؤكد أن العرب عرفوا التفريق بين وظائف الكلام وأشكاله ومقاصده، وإن لم تكن المصطلحات الحديثة هي المصطلحات المستعملة في ذلك التراث.

---

تاسعًا: الخطاب في علوم القرآن وأصول الفقه

ومن أعمق ميادين الدرس العربي عنايةً بالدلالة والسياق والمخاطَب: علوم القرآن وأصول الفقه.

فقد بحث العلماء في:

- الأمر والنهي.
- العام والخاص.
- المطلق والمقيد.
- الحقيقة والمجاز.
- دلالات الألفاظ.
- أسباب النزول.
- سياق الآيات.
- خطاب التكليف.
- خطاب الوضع.

وهذه المباحث تكشف عن منظومة علمية دقيقة في فهم الكلام ودلالاته ومقاصده.

ومن ثم فإن الطالب حين يدرس مفهوم الخطاب الحديث ينبغي ألا يُعزل عن هذه الثروة المعرفية.

---

عاشرًا: أين تلتقي الدراسات الحديثة مع التراث؟

تلتقي الدراسات الحديثة مع التراث العربي في عدد من الأسئلة، منها:

من المتكلم؟

إلى من يتوجه الكلام؟

ما الغرض منه؟

ما السياق الذي قيل فيه؟

كيف يؤثر السياق في الدلالة؟

لكن هذا لا يعني أن المناهج الحديثة والتراث العربي شيء واحد.

فلكل منظومة مصطلحاتها وأدواتها ومقدماتها النظرية.

ولهذا فإن المنهج العلمي السليم هو أن نقول:

لدينا تراث عربي غني في دراسة الكلام والمقام والدلالة، ولدينا في العصر الحديث مناهج لسانية وخطابية طورت أسئلة وأدوات جديدة، ويمكن الإفادة من الطرفين مع المحافظة على التمييز بينهما.

وهذا أدق من القول إن أحدهما يلغي الآخر.

---

الحادي عشر: أين تكمن المشكلة في المناهج التعليمية؟

المشكلة ليست في وجود مصطلح حديث.

وليست في أن يستفيد المنهج من اللسانيات الحديثة.

وإنما تكمن المشكلة حين تتحول المصطلحات إلى غاية، وتضيع اللغة نفسها خلف المصطلحات.

فالطالب الذي يعرف تعريف «الخطاب» لكنه لا يستطيع قراءة نص عربي قراءة صحيحة، يحتاج إلى مراجعة في المنهج.

والطالب الذي يحفظ أنواع الخطاب لكنه لا يستطيع كتابة فقرة سليمة يحتاج إلى تدريب لغوي أكثر من حاجته إلى مصطلحات إضافية.

والطالب الذي يعرف أسماء النظريات لكنه لا يستطيع التعبير عن فكرة واضحة لم يتحقق الهدف الأساسي من تعليمه اللغة.

---

الثاني عشر: التطوير المطلوب: تجديد لا قطيعة

إننا لا ندعو إلى العودة إلى الماضي بكل تفاصيله.

ولا ندعو إلى رفض العلوم الحديثة.

بل ندعو إلى تطوير واعٍ.

تطوير يبدأ من السؤال:

ما الذي نريد أن يتقنه الطالب؟

إذا أردناه قادرًا على القراءة والكتابة والتفكير والتعبير، فيجب أن تخدم المناهج هذه الأهداف.

وإذا أردناه قادرًا على تحليل النص، فينبغي أن نعلّمه أولًا أدوات اللغة والبلاغة، ثم نفتح أمامه آفاق المناهج الحديثة.

فلا تعارض بين:

الأصالة والمعاصرة

إذا أحسنّا إدارة العلاقة بينهما.

---

الثالث عشر: درس إيضاحي للطلاب

عنوان الدرس

نوع الخطاب: مفهوم حديث أم جذور قديمة؟

الهدف

أن يدرك الطالب أن المصطلحات قد تتغير، وأن بعض المفاهيم قد تكون لها جذور قديمة، وأن الدراسة الحديثة قد تقدم أدوات جديدة لفهمها.

المثال

نقول:

«يا أبنائي، إن العلم طريق المجد، فاجتهدوا في طلبه، ولا تجعلوا الكسل عائقًا أمام نجاحكم.»

نسأل:

من المتكلم؟
المعلم أو المربي.

من المخاطَب؟
الطلاب.

ما الغرض؟
النصح والإرشاد والتحفيز.

ما نوع الخطاب؟
يمكن وصفه بأنه خطاب تعليمي إرشادي.

ثم نسأل:

هل عرف العرب مخاطبة الناس بحسب أحوالهم؟

نعم.

وهل عرفوا مراعاة المقام والغرض؟

نعم، وهذا من صميم علم المعاني ومقتضى الحال.

إذن:

المصطلح «خطاب تعليمي» بصيغته الحديثة شيء، والوعي بأن الكلام يختلف باختلاف المقام والمخاطَب والغرض شيء آخر.

وهذه هي النقطة العلمية التي ينبغي أن يفهمها الطالب.

---

الرابع عشر: توصيات

1. إعادة الاعتبار للغة ذاتها

يجب ألا يطغى المصطلح على اللغة.

2. ربط الحديث بالتراث

عند تقديم مفهوم حديث، ينبغي البحث عن نقاط التقاطع مع علوم العربية.

3. تعليم الطالب الفرق بين المصطلح والمفهوم

حتى لا يظن أن كل مصطلح حديث يعني غياب الفكرة عن التراث.

4. تقديم النص قبل النظرية

النص هو المختبر الحقيقي للغة.

5. زيادة التطبيقات

فاللغة تُكتسب بالممارسة.

6. التركيز على القراءة والكتابة

وهما من أهم مؤشرات إتقان اللغة.

7. تدريب الطالب على التفكير

لا على حفظ التعريفات فقط.

8. إخضاع المناهج للتقويم المستمر

فالتطوير الحقيقي يحتاج إلى قياس أثره في مستوى الطلبة.

9. الإفادة من اللسانيات الحديثة

مع وعي بمقدماتها ومصطلحاتها وحدودها.

10. عدم إلغاء التراث

فهو ليس عبئًا ينبغي التخلص منه، بل رصيدًا معرفيًا يمكن البناء عليه.

---

الخاتمة

وبعد هذه الجولة، يتضح أن القضية ليست معركة بين القديم والجديد، ولا بين الشرق والغرب.

إنها قضية منهج وفهم ووعي.

فالتراث العربي لم يكن خاليًا من دراسة الكلام والمقام والمخاطَب والغرض، بل احتلت هذه القضايا مكانًا مهمًا في علم المعاني والبلاغة والنقد وعلوم القرآن وأصول الفقه.

وفي الوقت نفسه، فإن تحليل الخطاب في الدراسات اللسانية الحديثة يمثل مجالًا علميًا له مصطلحاته ومناهجه ومقارباته الخاصة، وقد نشأت حوله اتجاهات متعددة.

ومن ثم فإن الإنصاف يقتضي ألا نقول إن كل جديد غريب عن العربية، كما لا يجوز أن نطمس الفارق بين التراث والمناهج الحديثة.

نريد التطوير، ولكن لا نريد القطيعة.

نريد أن يعرف أبناؤنا علوم العصر، ولكن نريدهم كذلك أن يعرفوا أن أجدادهم لم يكونوا أميين في علوم اللغة والبيان.

نريد أن يتعلم الطالب «نوع الخطاب»، ولكن نريد أن يعرف أيضًا مقتضى الحال، والمقام، وأحوال المخاطبين، وأغراض الكلام.

نريد أن يستفيد من اللسانيات الحديثة، ولكن لا نريد أن يخرج من المدرسة وهو يجهل الجرجاني والقزويني والجاحظ وسائر أعلام لغته.

فالتحديث الحقيقي لا يقتلع الجذور.

وإنما يمد الأغصان إلى فضاء أوسع، والجذور في الأرض.

واللغة التي حملت كتاب الله، وحفظت تراث أمة، وأنجبت في تاريخها علماء وأدباء ومفكرين، جديرة بأن تُدرَّس لأبنائها بما يليق بمكانتها.

لسنا ضد التطوير، ولسنا أسرى الماضي؛
لكننا ضد أن يكون التطوير طريقًا إلى إضعاف اللغة، أو أن تتحول المناهج إلى مصطلحات تحفظها العقول وتغيب عن الألسنة والأقلام.

فليكن شعارنا:

تجديدٌ يحفظ الجذور،
وحداثةٌ تحترم الأصول،
وتعليمٌ يصنع طالبًا يقرأ ويفهم ويكتب ويفكر.

---

أبيات الختام

يا لغةَ الضادِ يا فخرًا لنا أبدًا
يا منبعَ العلمِ، يا مجدًا لنا خُلِدا

فيكِ الكتابُ، وفيكِ المجدُ متصلٌ
وفي حروفكِ تاريخٌ لنا شهدا

لا تجعلوا التجديدَ هدمًا لجذرِنا
فالنخلُ يبقى إذا ما جذرُهُ امتدّا

خذوا من العصرِ علمًا نافعًا، وذروا
ما لا يوافقُ علمًا أو نهجَنا سَدَدا

فالمرءُ إن عرف الأصولَ لم يخفِ الـ
جديدَ، بل جعلَ الآتي له مددا

لغاتُنا ليستْ حروفًا عابراتِ مدى
بل ذاكرةُ المجدِ إن ضاعتْ بنا فقدا

فاحفظوا الضادَ؛ إنها عزُّ أمتنا
ومن يصنْ لغتَهُ يحمِ الهويةَ غدًا

نبني الجديدَ على أصلٍ نثقُ بهِ
ونستضيءُ بعلمِ العصرِ إن رشدا

ما المجدُ في رفضِ علمٍ جاء نافعَهُ
ولا النجاحُ بأن ننسى الذي شهدا

لكنَّ مجدَ الفتى أن يستفيدَ وأن
يبقى على العهدِ: لا ينسى لهُ سندا

فاللغةُ الجسرُ بين الأمسِ والغدِ، ومن
يصنْ جسورَها يبقَ عزيزًا سيّدا.

---

المصادر والمراجع

1. القزويني، جلال الدين محمد بن عبد الرحمن، «الإيضاح في علوم البلاغة».
  ولا سيما مباحث بلاغة الكلام ومقتضى الحال وعلم المعاني. وقد حفظت نسخ رقمية موثقة من الكتاب في مجموعات جامعية، منها مكتبة جامعة كولومبيا ومكتبة الجامعة الأميركية في بيروت.

2. عبد القاهر الجرجاني، «دلائل الإعجاز».

3. عبد القاهر الجرجاني، «أسرار البلاغة».

4. الجاحظ، «البيان والتبيين».

5. أحمد الهاشمي، «جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع».
  ويتضمن تعريف علم المعاني وعلاقته بمقتضى الحال وأحوال المخاطبين.

6. القرآن الكريم.

7. كتب علوم القرآن وأصول الفقه فيما يتصل بدلالات الخطاب والأمر والنهي والعام والخاص والمطلق والمقيد.

8. مجمع اللغة العربية بالقاهرة، معجم المصطلحات المتعلقة بالخطاب وتحليل الخطاب.

9. دراسات حديثة في مفهوم الخطاب وتحليل الخطاب، ومنها الدراسات التي تقارن بين التصور العربي التقليدي والمقاربات اللسانية الغربية الحديثة.

10. دراسات في إشكالات تحليل الخطاب ومناهجه الحديثة، لبيان تعدد الاتجاهات والمقاربات داخل هذا الحقل.

---

كلمة الكاتبة

إن دفاعنا عن اللغة العربية ليس دفاعًا عن الماضي ضد المستقبل، وإنما هو دفاع عن حق المستقبل في أن يرث ماضيه كاملًا.

ولا نرفض أن يتعلم أبناؤنا جديد العلوم، ولكننا نرفض أن يتعلموا الجديد وهم يجهلون ثراء لغتهم.

فالذي يملك جذوره يستطيع أن يمد يده إلى العالم، أما من اقتُلع من جذوره، فقد يملك كثيرًا من المصطلحات، لكنه لا يعرف أين يقف.

والله من وراء القصد، وهو يهدي إلى سواء السبيل.

الكاتبة الشاعرة الدكتورة عطاف الخوالدة
واقبلوا الإحترام والتقدير . 
#التعليم #الثقافة #العلوم #التربوية


Share:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *