
و.ش.ع العراق ۔ أ د صالح العطوان الحيالي
الأحد 04سبتمبر2026
زيد الخير ويعرف باسم زيد الخيل هو زيد بن مهلهل ابو مكنف الطائي النبهاني المختلسي المعروف بالجاهلية باسم زيد الخيل ومياه النبي صلى الله عليه وسلم زيد الخير،كان من اجمل الرجال واتمهم خلقه واطولهم قائمة،كان فارسا وراميا من الطراز الأول .
قد يعيش الإنسان أعوامًا طويلة، ثم يفتح الله له باب الخير في أيام قليلة، فيصدق مع الله صدقًا يرفع ذكره، ويجعل أثره أعظم من أثر من عاش عمرًا طويلًا.
وليس الشأن في طول العمر، ولا في كثرة الأعمال وحدها، وإنما الشأن في صدق القلب، وعلو الهمة، وحسن الخاتمة.
فإذا فتح الله لك باب الخير، فلا تتردد، ولا تؤجل، ولا تنظر إلى قِصر الطريق؛ فقد تكون أيام قليلة من الصدق مع الله، خيرًا من أعوام طويلة من الغفلة.
كان زيد بن المهلهل من أعظم رجال العرب، وأشهرهم ذكرًا في الكرم والنجدة والشجاعة ومكارم الأخلاق. وقد اجتمعت فيه من الخصال الحميدة ما تفرّق في غيره؛ فكان يُضرَب به المثل في الكرم كما يُضرَب بحاتم الطائي، وفي الشجاعة كما يُضرَب بعنترة، وفي الحلم كما يُضرَب بالأحنف بن قيس.
وكانت العرب تلقّبه زيد الخيل؛ لكثرة خيله، وما عُرف عنه من الفروسية والبأس.
فلما سمع بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، جمع وجهاء قومه وأعيانهم، وخرج بهم إلى يثرب، يريد أن يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه.
فلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستمعوا إلى دعوته، اختلفت مواقفهم؛ فمنهم من رقّ قلبه للإسلام، ومنهم من حمله الحسد على الإعراض.
وكان ممن حضر زر بن سدوس، فلما سمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم، قال لقومه:
إن هذه مقالة رجل سيملك جميع العرب!
ثم انصرف بجماعة من أهل نجد، وأما زيد، فلم يتردد، ولم يطلب مهلة، بل أعلنها صريحة:
إنني على دينك، لا أقيل ولا أستقيل!
وتابعه نفر من قومه، ففرح النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامه، وقال:
الحمد لله الذي جاء بك من سهلك وجبلك، ورقّق قلبك للإسلام.
ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم:
يا زيد، ما وُصف لي رجل قط ثم رأيته إلا كان دون ما وُصف به، إلا أنت!
يا لها من شهادة عظيمة! شهادة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل اجتمعت فيه خصال قلّ أن تجتمع في رجل واحد.
ولما كان زيد يُعرف بين العرب بـ«زيد الخيل»، سمّاه النبي صلى الله عليه وسلم زيد الخير، تفاؤلًا به، وإكرامًا له، وإشارة إلى أن الخير الذي في قلبه أعظم من الخيل التي اشتهر بها.
ثم مضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله، ومعه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجمع من الصحابة.
فلما بلغوا البيت، طرح النبي صلى الله عليه وسلم لزيد متكأً، فأبى زيد أن يتكئ في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وردّ المتكأ.فأعاد النبي صلى الله عليه وسلم طرحه، فردّه زيد.ثم أعاده النبي صلى الله عليه وسلم مرة ثالثة، فردّه زيد أيضًا، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأبى إلا أن يكرمه، وكان زيد يأبى إلا أن يعظّم رسول الله صلى الله عليه وسلم.ثم جلسا، وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يسأله، ويستمع إليه، حتى قال زيد كلامًا يدل على علو همته، وصدق عزيمته.
ولم تمضِ على إسلامه إلا أيام قلائل، حتى جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله سؤالًا عجيبًا، فقال:
يا رسول الله، إني سائلك عن خصلتين أسهرتاني.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:
اسأل، فربّ معضلة قد سُئل عنها.
قال زيد:
أسألك عن علامة الله فيمن يريد، وعن علامته فيمن لا يريد.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:
كيف أصبحت؟
قال زيد:
أصبحت أحب الخير وأهله، ومن يعمل به؛ فإن عملت به أيقنت بثوابه، وإن فاتني منه شيء حننت إليه.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:
هذه علامة الله فيمن يريد، وعلامته فيمن لا يريد. ولو أرادك بالأخرى هيّأك لها، ثم لم يبالِ في أي وادٍ هلكت.
ففهم زيد أن من علامات إرادة الله بالعبد الخيرَ: أن يحب الخير وأهله، وأن يحنّ إلى الطاعة إذا فاتته، وأن يجد في قلبه شوقًا إلى العمل الصالح.
ثم التفت زيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال:
يا رسول الله، أعطني ثلاثمائة فارس، وأنا كفيل لك أن أغير بهم على بلاد الروم، وأنال منهم.
فأُعجب النبي صلى الله عليه وسلم بهمته، وقال:
لله درّك يا زيد، أي رجل أنت!
ثم انصرف زيد، وقد امتلأ قلبه إيمانًا، وعزمًا، وشوقًا إلى نصرة الإسلام.
لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه بعد انصرافه:
أي رجل هذا! كم سيكون له من الشأن لو سلم من وباء المدينة!
ولم يلبث زيد أن أصابته الحمى في الطريق، فلم تزل به حتى لقي ربه، قبل أن يرجع إلى قومه.
فكان الصحابة رضي الله عنهم يغبطونه، ويقولون:
لم يكن بين إسلامه وموته معصية!
وكان زيد يتمنى أن يبقيه الله حتى يدرك قومه، فيدعوهم إلى الإسلام، ويبلغهم ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن أجل الله كان أقرب.
رحم الله زيد الخير، ورضي عنه وأرضاه، وجمعنا به في مستقر رحمته.
المصادر
البداية والنهاية لابن كثير
الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *